المكملات الغذائية... بين حاجة الجسم وأوهام التسويق «إذا ما نفعك ما يضرك»... مقولة قد تضر!
على رفوف الصيدليات، تبدو المكملات الغذائية كأنها إجابة جاهزة لكل سؤال صحي. إن من أكثر الأسئلة التي وُجهت إليّ خلال حياتي المهنية، تلك التي تتعلَّق بالمكملات الغذائية. يسألني أحدهم عن مستحضر يقوي المناعة، وآخر عن كبسولات تُنشِّط الذاكرة، وثالث عن أعشاب تنظف الكبد من السموم، أو فيتامينات تُعيد للجسم شبابه وحيويته. وغالباً ما ينتهي الحديث بعبارة شعبية أصبحت أشبه بقاعدة صحية عند كثيرين: «إذا ما نفعك، ما يضرك».
وهنا تكمن المشكلة. فهذه العبارة، على بساطتها وحُسن نية قائلها، غير دقيقة علمياً، وقد تكون في بعض الحالات خطيرة. فالمكمِّل الغذائي قد ينفع، وقد لا يقدم أي فائدة، وقد يُسبِّب ضرراً يصل أحياناً إلى مضاعفات صحية جسيمة.
ولأن المكملات أصبحت جزءاً من حياة ملايين الناس، ودخلت معظم البيوت، رأيت أن أتناول هذا الموضوع بلغة مبسَّطة، بعيداً عن التعقيدات الطبية، محاولاً الإجابة عن سؤال أساسي: كيف يعرف الإنسان أنه يحتاج فعلاً إلى مكمِّل غذائي؟ وعلى أي أساس يُقرر تناوله؟
تجارة المليارات... هل نشتري الصحة أم الوهم؟
نحن اليوم أمام سوق عالمي ضخم تتجاوز قيمته مئتي مليار دولار سنوياً، وفق بعض التقديرات، تتنافس فيه الشركات على إقناع المستهلك بأن صحته تحتاج دائماً إلى شيءٍ إضافي. وتنتشر الإعلانات عبر التلفزيون و«يوتيوب» ووسائل التواصل الاجتماعي، مستخدمةً عبارات جذابة، مثل: «تعزيز المناعة»، و«تنظيف الجسم من السموم»، و«مقاومة الشيخوخة»، و«تجديد الخلايا»، وكأن الإنسان يستطيع شراء الصحة والشباب في عبوة صغيرة.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه المنتجات يُسوّق من خلال أطباء أو صيادلة أو أشخاص يقدمون أنفسهم بصفة الخبراء، مستخدمين مصطلحات علمية معقدة تمنح الإعلان مظهراً من المصداقية.
«أثبتت الدراسات»... هل تكفي هذه العبارة لإقناعنا؟
تسمع أحدهم يقول: «أثبتت الدراسات»، أو «تشير الأبحاث الحديثة»، أو «أكدت التجارب العلمية»، فيطمئن المشاهد إلى أن ما يسمعه حقيقة علمية محسومة. لكن هل مجرَّد وجود دراسة علمية يكفي لإثبات فاعلية منتج؟... بالتأكيد لا.
تُنشر سنوياً أعداد هائلة من الأبحاث الطبية، تتفاوت في جودتها ومنهجيتها ونتائجها. بعضها دراسات مخبرية، وبعضها تجارب على الحيوانات، وبعضها دراسات بشرية محدودة، وقد تتعارض نتائجها مع أبحاث أخرى أكثر دقةً واتساعاً. وكثير من النتائج الأولية لا تصمد أمام التجارب السريرية الكبيرة.
لهذا، فإن الطب الحديث لا يبني توصياته على دراسة منفردة، بل على مُجمل الأدلة العلمية، وجودة التجارب، وقابلية تكرار النتائج في مراكز أخرى ومراجعات الهيئات العلمية والتنظيمية المعتبرة، ومنها إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA). ومن المهم أن يعرف القارئ أن المكملات الغذائية لا تخضع في الولايات المتحدة لنظام الموافقة المسبقة نفسه الذي تخضع له الأدوية، وأن وجود المنتج في الأسواق لا يعني أن فاعليته العلاجية قد ثبتت.
متى تُصبح الكبسولة ضرورة طبية؟
ولكي نفهم القضية بصورة صحيحة، علينا أن نعرف أولاً ما المكمل الغذائي.
هو منتج يحتوي على فيتامينات أو معادن أو أحماض أمينية أو أعشاب أو مواد أخرى، يُستخدم لاستكمال احتياجات غذائية معينة. وقد يكون ضرورياً ومفيداً في حالات محددة، لكنه لا يحل محل الغذاء المتوازن، ولا يُصبح ضرورياً لمجرَّد أنه يحتوي على مادة نافعة للجسم.
خُذ مثلاً فيتامين «ب12»، الذي قد يؤدي نقصه إلى فقر الدم واضطرابات عصبية، ويكون تعويضه ضرورياً عند ثبوت النقص أو وجود أسباب طبية تستدعي إعطاءه. وكذلك الحديد عند المصابين بنقصه، وحمض الفوليك للنساء والحمل، والكالسيوم وفيتامين «د» لبعض الفئات المعرَّضة للنقص أو لمضاعفاته.
ونحن، في جراحة السمنة، نعرف أهمية المكملات بعد عمليات تحويل المسار والتكميم، إذ قد يحتاج المريض إلى تعويض عناصر غذائية محددة ومتابعتها سنوات، وفق نوع العملية وحالته الغذائية.
هذه أمثلة على استخدام علمي واضح للمكملات. أما أن يتناول شخص سليم مجموعة من الفيتامينات يومياً لمجرَّد اعتقاده أنها ستقوي مناعته وتحميه من السرطان وأمراض القلب، فالأمر مختلف تماماً. فالأدلة العلمية لا تثبت أن تناول معظم هذه المكملات بصورة روتينية يمنح الأصحاء تلك الحماية الموعودة.
خلف كلمة «طبيعي»... مخاطر لا نراها
ثم تأتي القضية التي يغفل عنها كثيرون: الأضرار المحتملة.
فالإفراط في فيتامين «د» قد يؤدي إلى ارتفاع الكالسيوم ومضاعفات تُصيب الكلى، وزيادة فيتامين «أ» قد تسبب تسمماً وأضراراً للكبد، وهذه فقط أمثله، وبعض المستحضرات العشبية قد تؤدي إلى التهابٍ كبدي خطير. كما قد تتداخل المكملات مع الأدوية، ومنها مضادات التجلط، فتغير تأثيرها وتعرض المريض لمضاعفات.
وينبغي ألا تخدعنا كلمة «طبيعي». فالطبيعة تحتوي على مواد نافعة، وأخرى سامة، ومصدر المادة لا يكفي للحُكم على سلامتها. كذلك، فإن الجرعة، ونقاء المنتج، والحالة الصحية للمستخدم، كلها عوامل تحدد الفائدة والضرر.
قبل أن تشتري المكمل... اسأل أربعة أسئلة
وأود هنا أن أضع أمام القارئ قاعدة عملية بسيطة: قبل شراء أي مكمل، اسأل نفسك أربعة أسئلة: هل أعاني نقصاً أو حالة صحية تستدعي تناوله؟ هل توجد أدلة علمية موثوقة على فائدته لحالتي تحديداً؟ هل الجرعة آمنة ولا تتعارض مع أدويتي؟ وهل المنتج معروف المصدر وخاضع لرقابة موثوقة؟ وإذا لم تجد إجابات واضحة، فلا تجعل الإعلان يقرر نيابة عنك.
وأخيراً، أعتقد أن مسؤولية حماية المستهلك لا تقع عليه وحده. فهناك مسؤولية مهنية وأخلاقية على الأطباء والصيادلة، ومسؤولية رقابية على الجهات الصحية والإعلامية، للحد من الادعاءات المضللة، خصوصاً تلك التي تتخفى خلف اللغة العلمية، أو تستغل ثقة الناس بأصحاب المهن الطبية.
إن المكملات الغذائية قد تكون نعمة حقيقية لمن يحتاج إليها، وقد تتحوَّل إلى عبء صحي ومالي لمَنْ يتناولها من دون مبرر. وما أتمناه أن ننتقل من ثقافة «جرِّب، فلن تخسر شيئاً» إلى ثقافة السؤال عن الدليل والحاجة والضرر.
فالصحة أغلى من أن نترك قراراتها لإعلان جذاب، أو شهادة مؤثرة، أو دراسة انتُزعت نتائجها من سياقها العلمي.
* وزير الصحة الأسبق