السيولة المصرفية بين الخروج أو إعادة التوظيف
تناولت العديد من الصحف انخفاض أرصدة البنوك الكويتية لدى بنك الكويت المركزي بنحو 55 في المئة، وفقاً للأرقام المتداولة من كشف حساب «المركزي». وبالنظر إلى الأرقام التاريخية، تراجع الرصيد بدأ من نحو 5.745 مليارات دينار في 2024، إلى 4.621 مليارات في 2025، وصولاً إلى نحو 2.495 مليار في 2026.
وبغض النظر عن أسباب هذا الانخفاض، يبقى السؤال الأهم: ما التأثير المحتمل على البنوك، وإدارة الخزينة تحديداً؟
أرصدة البنوك لدى «المركزي» تتميَّز بأنها ذات السيولة الجاهزة، وهي من أعلى الأصول جودةً ضمن الأصول العالية الجودة (HQLA). لذلك، فإن انخفاضها قد يقلِّص هامش السيولة المتاح، خصوصاً إذا لم تُعد البنوك توظيف الأموال في أصول يسهل تسييلها. وتظهر الآثار المحتملة في ثلاثة مسارات:
أولاً- أسعار الاقتراض بين البنوك (INTERBANK): إذا تزامن الانخفاض مع خروج ودائع أو زيادة الطلب على التمويل، فقد ترتفع أسعار الاقتراض بين البنوك.
ثانياً- تكلفة التمويل: قد تضطر البنوك إلى استقطاب ودائع جديدة بأسعار أعلى، فينعكس ذلك على تسعير القروض وشروط الائتمان وهوامش الربحية، وفق وضع السيولة لدى كل بنك وقدرته على الوصول إلى مصادر تمويل بديلة.
ثالثاً- مؤشرات السيولة: استمرار خروج الودائع من دون تمويل بديل قد يضغط على نسبة تغطية السيولة (LCR)، ونسبة صافي التمويل المستقر (NSFR)، إذا أدى إلى انخفاض الأصول السائلة المؤهلة أو تراجع استقرار مصادر التمويل.
حجم الأرصدة لدى «المركزي» أحد المؤشرات المهمة لمتابعة السيولة في القطاع المصرفي، كما أن عمليات ضخ السيولة أو امتصاصها تؤثر في ظروف التمويل وأسعار الفائدة قصيرة الأجل. لكن انخفاض هذه الأرصدة وحده لا يعني بالضرورة أن «المركزي» يتبع سياسة نقدية انكماشية، إذ يجب النظر إلى أسباب الانخفاض، والتغيُّر في الائتمان، وأدوات الدَّين العام، وعمليات إدارة السيولة الأخرى. أما سعر صرف الدينار، فالتأثير محدود، نظراً إلى ارتباط الدينار بسلة عملات.
بالنهاية، انخفاض أرصدة البنوك لدى «المركزي» ليس بالضرورة يكون مؤشراً على أزمة سيولة، لكنه يستحق التحليل من منظور الـ ALM في الخزينة. فالعِبرة ليست فقط بحجم الأموال الموجودة لدى «المركزي»، بل بمكان توظيفها، ومدى سهولة تحويلها إلى نقد، واستقرار مصادر التمويل المقابلة لها.