اليوسف ورجاله... عندما يجتمع الحزم والإنسانية
لو سألنا اليوم: ما الذي تغير في المشهد الأمني بالكويت؟ الجواب لن يكون قراراً وزارياً واحداً، بل منظومة عمل متكاملة، أساسها قائد استطاع أن يطور من نفسه مهنياً وتعاملاً مع الجمهور والإعلام، قائد آمن برجاله، ورجال آمنوا بقائدهم.
منذ تولي الشيخ فهد اليوسف الصباح مسؤولية وزارة الداخلية، كان واضحاً ليس على الشعارات بل على الميدان، وخلفه جيش من ضباط وأفراد وضباط صف يعملون على مدار الساعة في المنافذ وفي الدوريات وفي المباحث وفي المرور وفي العمليات، وجدوا في اليوسف قائداً ينزل معهم للميدان يستمع لهم وللجمهور، يدافع عن المتميز منهم ويحاسب المقصر، يراقب ويتابع عملهم وهو على سرير المستشفى يتلقى العلاج، وتنقلب غرفة المستشفى إلى غرفة عمليات ميدانية لا يلتفت إلى نصيحة طبيب ولا صديق، فرجاله بادلوه حباً بحب، وإخلاصاً بإخلاص، وهذه العلاقة بين القائد ورجاله هي سر أي إنجاز أمني حقيقي.
ما يميز مرحلة أبو فيصل ورجاله، ليس فقط الحزم الأمني، بل ذلك المزيج الدقيق والمتوازن بين الحس الإنساني والحزم التشريعي. فالوزارة اليوم لا تطبق القانون بغلظة، ولا تتساهل بضعف، بل تطبقه بروح تحفظ حقوق الضعفاء، وتنصف المظلوم، وتمنع استقواء القوي على الضعيف. كم من قضية أنصفت فيها الداخلية عاملاً بسيطاً سُلب حقه، أو أسرة وافدة تعرضت للابتزاز، أو مواطناً ضعيفاً لا سند له إلا القانون، هذا هو الجانب الإنساني الذي يلمسه المواطن والوافد ويقدرونه، لاشك في أن الداخلية أصبحت ملاذاً آمناً للضعيف قبل أن تكون عصا على المخالف.
وفي المقابل، هناك وجه آخر لا يقل أهمية وهو الحزم الصارم الذي لا يهاب أحداً في مواجهة الخارجين عن القانون مهما كانت مراكزهم الاجتماعية أو نفوذهم المالي أو مكانتهم السياسية. رسالة اليوسف كانت واضحة منذ اليوم الأول، القانون يطبق على الجميع، ولا حصانة لأحد فوق القانون، فلا تاجر مخدرات يحتمي بماله، ولا متنفذ يحتمي بمنصبه، ولا مخالف يتستر بعلاقاته، الكل سواسية أمام هيبة الدولة.
وهذا النوع هو ما كان ينقصنا سابقاً، فالحزم بلا إنسانية يتحول إلى قسوة، والإنسانية بلا حزم تتحول إلى فوضى. ما نراه اليوم هو معادلة متوازنة، قلب يحنو على الضعيف ويد تضرب من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن الكويت.
يجب هنا أن نفهم حقيقة جوهرية يغفل عنها الكثيرون، وهي أن الإجراءات الأمنية ليست مقصورة فقط على وزارة الداخلية وما يقوم به رجالاتها في الشوارع. الأمن ليس دورية تجول في الشارع ومخفراً يستقبل البلاغات، الأمن هو منظومة دولة كاملة، هو رقابة على المنافذ والجمارك، وهو تدقيق في ملفات الإقامات والشركات الوهمية، وهو حماية للمال العام من التجاوزات، وهو تأمين للبيانات في المؤسسات، وهو منع للتستر والفساد الإداري الذي قد يفتح ثغرة أمنية، وهو حماية للطالب من معلّم يدعوه للتطرف أو أستاذ جامعي يشوه تاريخ الوطن.
هنا تبرز حكمة ما يقوم به اليوسف، فحين يلفت انتباه زميل له من الوزراء أو القياديين إلى ملاحظة أمنية داخل مؤسسة يشرف عليها ذلك الوزير أو القيادي، فهذا ليس تدخلاً في اختصاص الغير ولا تطفلاً، بل هو من صميم عمله كمسؤول عن أمن الدولة، فالثغرة في مؤسسة ما قد تتحول غداً إلى قضية أمن دولة، والتجاوز في مؤسسة أخرى قد يصبح غطاء غسيل أموال أو إقامة مزورة أو تهريب. وهذا ما يجب أن يتفهمه زملاؤه الوزراء، فتنبيه وزير الداخلية لهم هو تعاون لحماية مؤسساتهم، وعندما يشير إلى خلل فهو يرى الصورة الأمنية الشاملة التي قد لا تظهر واضحة للمسؤول داخل مؤسسته، وعندما يشير إلى خلل فهو يقدم خدمة للدولة ويحمي الوزير نفسه ومؤسسته من أن تستغل من قبل ضعاف النفوس والخارجين عن القانون مهما كانت مراكزهم.
نعم هناك ضغوط على رجال الميدان تحتاج إلى معالجة بالمكافآت وزيادة الكوادر، وهناك حاجة إلى تسريع البيان الإعلامي لقطع الشائعات وتكثيف حملات التوعية خصوصاً لطلبة المدارس والجامعات، وهذه التحديات طبيعية في أي مسيرة إصلاح جادة، وعلاجها مستمر بمتابعة الوزير وفريقه.
اليوم نقولها بكل ثقة، أمن الكويت في أيادٍ أمينة، بوزير جمع بين الحزم والرحمة، ورجال آمنوا بأن خدمة الوطن شرف وليس ترفاً، وأن حفظ حقوق الضعفاء واجب، وأن أمن الكويت لم يعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبح ثقافة دولة يقودها إنسان يفهم أن أمن المؤسسات من أمن الشارع، وأن حماية مؤسسات الدولة هي حماية للوطن كله.
كلامنا عن أبوفيصل ورجاله لم يكن من باب التملق أو المجاملة، بل هو نابع من مبدأ راسخ لدى الجميع، وهو الحفاظ على أمن الكويت ولا مجال للعبث في ركائزها، فتحية عارمة لرجال ونساء «الداخلية»، وتحية لكل مسؤول يتفهم أن الأمن مسؤوليتنا جميعاً.
*وزير التربية الأسبق