أصبحت الحوكمة Governance أو الإدارة الرشيدة والحكم الرشيد Good Governance أسلوباً شائعاً في مجال الإدارة العامة والسياسات العامة، وقد زاد الاهتمام بالحوكمة بعد الأحداث التي وقعت خلال العقدين الماضيين كنتيجة لفشل سياسات الإصلاح المالي والاقتصادي في بعض الدول النامية وفساد وسوء إدارة في بعض المؤسسات والشركات الكبرى في أميركا وبعض الدول الأوروبية واليابان.

وبشكل عام تهدف الحوكمة إلى الحد من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة ومكافحة الفساد وسيادة القانون والمحاسبة والمساءلة وتحقيق العدل والمساواة والنزاهة.

Ad

وتهدف الحوكمة في القطاع العام الى تحقيق المصلحة العامة وتعزيز النزاهة والشفافية والعدالة والمساواة في القرارات الحكومية، وتشمل الحوكمة على مستوى الدولة تطبيق مبدأ فصل السلطات والمشاركة المدنية والمساءلة السياسية، حيث تسعى الحكومات بشكل عام إلى تحقيق التوازن بين الاحتياجات المجتمعية المتعارضة وتلبية تطلعات المواطنين وجودة الخدمات الحكومية.

وللحوكمة عدة أنواع منها الحوكمة الشاملة Systemic Governance وتشمل العمليات والهياكل بالمجتمع التي من خلالها يتم توجيه العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيم والمعتقدات الدينية وحماية الحريات والخدمات الصحية والثقافية، في حين الحوكمة السياسية Political Governance تشمل آليات اتخاذ القرارات السياسية وسن التشريعات والقوانين حيث تتطلب الحوكمة السياسية وجود جهاز تشريعي وجهاز تنفيذي مستقلين وجهاز قضائي مستقل عن الجهازين التشريعي والتنفيذي.

أما الحوكمة الاقتصادية Economic Governance فتشمل عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية في الدولة بما يؤدي للحد من الفقر وتحقيق العدالة وتحسين نوعية الحياة، في حين أن الحوكمة الإدارية Administrative Governance تتطلب وجود رؤية وخطة استراتيجية طويلة المدى مكتوبة وواضحة ومتفق عليها، وتتم متابعتها من خلال معايير وقياس للأداء المتوازن Balanced ScoreCard وترتكز على القيادة الفاعلة والكفاءة والإدارية Effective & Efficient Leadership وعلى الميثاق الأخلاقي والثقافة التنظيمية، وتقوم كذلك على الالتزام المهني والعدالة المهنية والمساءلة الإدارية والشفافية والتنمية المستدامة من خلال حسن إدارة المخاطر والمحافظة على البيئة.

والنوع الأخير من الحوكمة هو الحوكمة التنظيمية Organizational Governance التي يمكن تحديد معاييرها من خلال حق الشكوى القانونية والإفصاح وكشف تعارض المصالح والمحاسبة والشفافية والسلوك والتصرف الأخلاقي والاعتراف بأصحاب المصالح واهتماماتهم.

والحوكمة أداة فعالة لتحويل النمو الاقتصادي الى تنمية بشرية مستدامة وتحسين المستوى المعيشي للأفراد يعزز جودة الحياة من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب والرعاية الصحية، وعليه فإنني أرى أنه يجب على السلطة التنفيذية الحالية أن تضع الحوكمة بآلياتها وبأنواعها المختلفة هدفاً استراتيجياً رئيساً ضمن خطتها الاستراتيجية ورؤية الكويت 2040 إذا كانت هذه الحكومة فعلاً جادة في خططها الاقتصادية والاجتماعية والتنمية البشرية لتحقيق التنمية المستدامة.

نعم إن مبادئ ونظام الحوكمة الرشيدة له متطلباتها الكثيرة ومعاييره الخاصة التي يرى البعض صعوبة تطبيقها والتي تتمثل بالنزاهة والشفافية والمساءلة والمحاسبة والكفاءة والفاعلية وسيادة القانون والشرعية والتمكين والعدالة ونظم المعلومات والاستجابة والاهتمام لمطالب المواطنين وأصحاب المصالح والاهتمام بشكاواهم.

نعم إن هذه المتطلبات والمعايير صعبة التنفيذ، وتتطلب الكثير من الجهد والمال والخبرات والموارد البشرية المدربة لكنها ليست مستحيلة متى ما توافرت الإرادة والرغبة والنية الصادقة والعزم والحسم في اتخاذ القرار والإدارة الفاعلة والكفؤة والمتابعة والرقابة الإدارية والمالية الحثيثة والشفافية وسيادة القانون والاتفاق والتوافق بين مختلف أصحاب المصالح في المجتمع لتحقيق المصلحة العامة والمشتركة لكل فئات المجتمع.

إن الكويت بأشد الحاجة لوجود القائد الإداري والسياسي المحنك الذي يتبنى ويؤمن بالحوكمة كوسيلة ونهج لتحقيق التنمية المستدامة وينتشل السلطة التنفيذية من الضبابية والتردد باتخاذ القرار ويعيد هيبة الدولة وقدسية أمنها الوطني.

ودمتم سالمين.