يعتقد البعض أن الغموض في شخصية الإنسان يعطيها نوعا من القوة والتميز، ‏وأن شخصيته يجب ألا تكون كتاباً مفتوحاً يتمتع بقراءته كل من هبّ ودبّ، وكما يقولون «قلوب الرجال صناديق مقفلة»، تؤمن هذه المجموعة من البشر بالسرية والخصوصية والكتمان، وأن الغموض في الشخصية سر من أسرار نجاح الإنسان في الحياة، وأن أولئك الذين لا يملكون الغموض في شخصياتهم يفقدون سحر الشخصية وتميزها، وينطبق عليهم قول الشاعر:

خلك بحر ما تعرف الناس سره

Ad

لو هاج موجه غبته تستر السر

‏وعلى الطرف النقيض من هذا المفهوم نجد أن ‏‏الفريق الثاني يؤمن بأن السر في النجاح يكمن في الوضوح والشفافية وسهولة قراءة الشخصية والبساطة في السلوك والعفوية بتصرفاتها وعدم التكلف، ويرون أنه كلما زاد غموض الشخصية صعب التعامل معها وزادت درجة الابتعاد عنها قدر الإمكان، لأن الإنسان لا يريد مزيداً من الغموض في حياته المعيشية وتعامله مع الآخرين من البشر، لأن العلاقات الإنسانية الصحيحة والسليمة تقوم على الوضوح والشفافية والتفاهم والتعاون وحسن النوايا، ولا تقوم على الغموض والخداع والتذاكي، وإن تم نجاح التذاكي والخداع في العلاقات بين الأفراد والمجموعات البشرية لفترة من الزمن، فإنه لن يدوم طويلاً وربما ينتج عنه آثار غير حميدة لطرفي العلاقة!!‏

‏وهناك من البشر من يكون غامض الشخصية، يحاول أن يبتعد عن مشاركة الآخرين أراءهم بسبب أنه يرى أن مبادئه وأفكاره لا تتناسب مع الكل، فيهرب من المواجهة، ‏ويركن للانطواء، وفي اعتقادي أن هذا التصرف يشوبه خطأ فادح وفهم مغلوط، لأن الإنسان لا يستطيع أن يقنع كل البشر بآرائه وأفكاره لأن البشر بطبيعتهم مختلفون، وكذلك ظروفهم ومصالحهم مختلفة، وهناك فروقات فردية بين شخص وآخر في الفهم والإدراك والذكاء والقدرات والمهارات والنوايا وطبيعة البيئة المحيطة والزمان والمكان والمعطيات في المواقف المختلفة!!

إن قمة إنسانية الإنسان وسموها هي في كيفية التعامل مع هؤلاء البشر في ظل هذه الظروف والعمل على إقناعهم بأفكاره ومرئياته ومحاولة توجيههم بقدر الإمكان للطريق الصحيح والسبيل الأفضل للتعايش السلمي بين البشر والعمل على إيجاد سبل التعاون بين بني الإنسان لما فيه خير البشرية وتقليل احتمالات النزاع وحدة التصادم وتمهيد الطريق للمحبة والتسامح والألفة بين بني الإنسان قدر المستطاع.

إن الهروب من المواجهة السلمية والمنطقية فيه خسارة للتفاعل الإنساني الخير والبناء، ويعطي الفرصة السانحة لغير أهل المنطق والحكمة والعقلانية بتسيد الوضع وإقناع وتوجيه البشرية نحو وجهة ليست بالضرورة أن تكون سليمة، ويمكن أن تتعارض مع قيم الإنسان ومبادئه وتضر بالإنسانية وقيمها السليمة!!

والله سبحانه وتعالى أوجد البشر لعبادته وإعمار الأرض والتعارف بين بني آدم لا للتباعد والانطواء!!

إن السلبية وعدم المبالاة بالظلم الواقع على الإنسان وتجاهل المشاكل التي تقع في المجتمع أمور غير محمودة، وإن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وكذلك فإنه ليس من الحكمة إثارة الجدل والنقاش في كل شاردة وواردة، بل إن التكتم والسرية في بعض الظروف وبعض الأحيان أمر مطلوب، وإن التغافل عن بعض القضايا، وكذلك التجاهل عن تصرفات بعض الأشخاص في بعض الأحيان سلوك مرغوب ومطلوب.

لذا فإنني أؤمن بالوسطية، فلا تكون شخصية وخصوصية الإنسان «ماء سبيل» مكشوفة للصادر والوارد!ولا كتابا مقفلا بأقفال وطلاسم تجهد الإنسان لمجرد معرفة «عنوان الكتاب» ولونه!

‏أتمنى أن تكون الرسالة قد وصلت لكلا الطرفين، وأرجو ألا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل ولا نحمل أنفسنا أكثر مما تستطيع!

ودمتم سالمين.