ذكرت في نهاية الجزء الثالث من هذا المقال أهمية توافر «الإدارة الفاعلة والناجحة» لنجاح الخطة الاستراتيجية لدولة الكويت، وسأحاول أن أوضح ماذا أقصد بذلك في الفقرات التالية، إنه من السهل أن نردد أهمية الإدارة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في خطاباتنا السياسية، لكن توافر هذه «الإدارة الفاعلة والناجحة» يتطلب أموراً كثيرة منها على سبيل المثال تحديد الرؤية الاستراتيجية Strategic vision واتخاذ التخطيط الاستراتيجي Strategic planning منهجاً في إدارة مؤسساتنا وأجهزتنا الحكومية والمدنية، وكذلك تقييم النماذج التنموية العالمية واختيار النموذج المناسب بالإضافة إلى المفاضلة بين المداخل الإدارية المعاصرة مثل إدارة الجودة الشاملة Total quality management وإعادة الهندسة Reengineering وإعادة الهيكلة Restructuring وإعادة اكتشاف دور الحكومة Reinventing Government وإعادة تصميم دور الدولة From Government to Governance (الحوكمة/الحكومة الرشيدة) لتسهيل عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ورفع كفاءة الإدارة الحكومية Doing more with less، وزيادة فاعليتها Downsizing، والتحول نحو الإدارة بالعميل Customer focus and Customer driven، وتمكين الإدارة الدنيا والموظفين Empowerment، والتحول الرقمي Digital Transformation، وأخيراً وليس آخراً القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وتوافر القيادة الإدارية المتميزة لإدارة التغيير.

إن تبني هذه المداخل الإدارية الجديدة واستبدال الأنظمة الإدارية والتنظيمية والتكنولوجية والنماذج الاقتصادية والتخطيطية الحالية بأخرى أكثر فاعلية وكفاءة، يتطلب إمكانات مادية ومهارات بشرية متعددة ومتجددة، وتدريبا مدى الحياة كي تتماشى مع النظريات الإدارية الحديثة والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والتكنولوجية والمعلوماتية المتجددة.

Ad

وعليه فإنني أرى أهمية وضرورة إقامة مؤتمر وطني يضم جميع القيادات والفعاليات الوطنية للاتفاق على الرؤية الاستراتيجية للسنوات القادمة لدولة الكويت، ومن ثم تحديد الخطط والأهداف الاستراتيجية لتحقيق هذه الرؤية الوطنية وإيجاد أجهزة ومؤسسات إدارية حكومية وأهلية ذات كفاءة وفاعلية عالية من خلال مشاركة مؤسسات المجتمع المدني N.G.O. في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى أهمية مشاركة الموظف والمواطن في تصميم وإدارة وتقييم البرامج والمشاريع الحكومية وتوفير النظم والتقنيات الإدارية والمعلوماتية لمتابعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتعديل وتقويم الانحرافات في الوقت المناسب، حيث إن الشفافية Transparency أصبحت مطلباً وطنياً وشعبياً لنجاح المشاريع والخطط الحكومية.

إن الجدل القائم خلال السنوات الماضية بين السلطة التنفيذية والتشريعية فيما يتعلق ببرنامج عمل الحكومة والخطة الإنمائية للدولة قد فوت العديد من الفرص التي لو تم استغلالها لتقدمنا خطوة بالاتجاه الصحيح، وأكثر ما يعيب مناقشة الخطة التنموية للدولة هو تركيزنا على الأمور الروتينية والفرعية وتضارب المصالح الفردية الآنية وتعارضها مع المصلحة الوطنية البعيدة المدى، وقد سعدت بشكل شخصي كثيراً لتبني السلطة التنفيذية مشروع التحول الرقمي Digital Transformation، ومشروع الحكومة الإلكترونية بدولة الكويت E. Government التي تهدف إلى إدخال استخدامات التكنولوجيا المتطورة في الأعمال الحكومية، وإذا تم دعم هذا المشروع الوطني من كل المستويات القيادية والإدارية والاجتماعية والتشريعية في الدولة فإنني أتوقع مستقبلاً أكثر إشراقاً ومكانة متقدمة لدولة الكويت بين دول العالم. ويجب ألا يقتصر هذا المشروع على الجهاز الحكومي بل يجب أن يتعداه إلى قطاع التجارة والأعمال E. Commerce and E. business وكذلك قطاع الخدمات E. Services حيث إن الألفية الثالثة هي «ألفية تقنية المعلومات والاتصالات».

وبالرغم من التذبذب في أسعار النفط مؤخراً، فإن المتتبع للإيرادات النفطية والميزانية العامة للدولة يلاحظ أنها تتصف بزيادة مطردة في الدخل وفائضاً مالياً خلال السنوات الماضية، وإنني أدعو الدولة إلى استثمار هذه الفوائض المالية بإقامة المشاريع الكبرى Mega Projects ذات المردود الاقتصادي العالي، وكذلك أهمية التركيز على المشاريع الصغيرة لتشجيع الشباب على الإبداع والابتكار، وذلك بالمشاركة مع القطاع الخاص، وأهمية التركيز على تنمية العنصر البشري صحياً وعلمياً واجتماعياً والاهتمام بها، لأن الرأسمال البشري هو أساس التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهدفها ووسيلتها. ودمتم سالمين.