في الواقع ليس سراً، ولا يخفى على أحد في هذا الزمان أن دولة الكويت تعتاش على مصدر وحيد للدخل وهو الإيرادات النفطية، وكون الاقتصاد في هذه الحالة أحادي البنية والشكل والمضمون، فإن مالية الدولة دائماً كانت وستكون في خطر. وقد تكلمنا وأسهبنا في مسألة تنوع مصادر الدخل مراراً وتكراراً وكيف للدولة أن تحقق تلك المسألة بعيداً عن التوجه إلى جيب المواطن الكويتي وديمومة رفاهيته، ولكن في واقع الحال فإن هذا المقال يبتعد قليلاً عن هذه المسألة التي تناولناها في السابق، إلى زاوية أخرى تتناول التعامل مع العامة والشارع من خلال التصريحات والرسائل الإعلامية الموجهة للمواطن، وكيف للقيادي أن يتعامل مع موقف ما ويوصل رسالته بأفضل طريقة ممكنة.

لا شك أن وزير المالية الحالي رجل له تاريخه وله باع طويل في التعامل مع المسائل الفنية المالية التي كانت وما زالت ملحة على الدولة، والأهم أنه رجل له خبرته في مجال المال والأعمال مما يجعله في مكان يستطيع أن يحقق رؤية نوعية تحتاجها البلاد في هذا الزمن على وجه الخصوص، وليس القصد هنا الهجوم على شخص الوزير البتة ولا حتى على أدائه الفني داخل الوزارة الى هذه اللحظة، ولكن على طريقة تعامله مع وسائل الإعلام وطريقة تعاطيه مع اللقاءات المتفرقة (المنقولة تلفزيونياً) خلال الأيام الماضية، فأتمنى أن يتسع صدره للكلام والسياق القادم خصوصاً أنه نقدٌ موضوعيٌ يأتي من شخص لا تربطه به أي علاقة شخصية مباشرة.

Ad

يعلم كل قيادي على مستوى العالم أن الصحافة وبأنواعها كافة في هذا الزمن تذهب إلى كل من السبق والحصريات والمانشيتات المدوية التي عادة ما تكون على عكس المراد من الرسالة المبطنة للقيادي في أي مكان، وعليه فإن القيادي عادة ما يكون حذراً في عرض مادته الفنية، بحيث تكون سهلة المنال والهضم من الجمهور المتلقي، وحذراً كذلك في انتقاء مفرداته كيلا تصبح مادة إعلامية قد تستخدم ضده، وهذا ما حدث خلال الأيام الماضية فيما يتعلق بوزارة المالية ووزيرها خاصة من بعد لقاء تلفزيوني وملتقى مفتوح يناقش فيه ميزانية الدولة، ليخرج علينا عدد من الرسائل الإعلامية ذات المعنى المبهم والتي كانت أيضاً صادمة للعامة دون شرح مستفيض عن الحلول المطروحة التي يجب أن تكون على رأس أولويات الوزارة في هذا الوقت، فكل ما تلقاه الشارع من رسائل كانت أن الوزارة تعمل بصمت (سكاتي) على مشاريع عدة، وأن الاحتياطي العام قد تبخر و(طار) وأن القادم يشمل دراسة إعادة تسعير أملاك الدولة وحصرها.

استخدام الإعلام الرسمي للدولة في إعطاء خطابات واستعراض رؤى مستقبلية هو أمر حميد ناجح وناجع ويجب أن يستمر على مستوى عالٍ من المهنية، والأهم الآن هو أن يكون لوزارة المالية أثر حقيقي وسريع في نفس كل مواطن ما زال يعاني ضنك العيش وارتفاع أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية في الدولة، والمطلوب الآن من بعد مجموعة من الرسائل المختلفة والمختلطة والحلول المتضمنة داخل الخطابات السابقة، يجب أن تخرج علينا الوزارة بتصورات واضحة مطمئنة للشارع مع تحديد زمن إنجاز كل مرحلة من مراحل الإصلاح، وتحديد كيف لها أن تنعش الاحتياطي العام مرة أخرى، وأن تتغلب على تحديات المستقبل غير النفطي، وإن كان تنوع مصادر الدخل أمراً مهماً وهو كذلك، فإن تنوع الاستثمارات وطبيعتها وتعزيز السياحة الإقليمية وفتح موانئ وممرات بحرية وغيرها من أمور وحلول يجب أن تكون على رأس الأولويات الآن.

على الهامش:

خرج تقرير وزارة الأمن الطاقي والحياد الكربوني في المملكة المتحدة Department of energy security and net zero الذي تضمن في طياته مجموعة من النتائج المبهرة للخطة الطويلة والمتوسطة المدى البريطانية، بحيث وصل مجموع مصادر الطاقة المتجددة لعام 2023 قرابة 35%وتناقص انبعاثات الكربون الى ما دون 150%من أرقام سنة 1990، هذا نتاج عمل جاد وخطط واستراتيجيات واضحة المعالم للدولة تحقق أمناً واستقراراً على مستوى الطاقة والبيئة.