الشرق الأوسط لا يحتمل تأجيل محادثات السلام

نشر في 30-12-2024
آخر تحديث 29-12-2024 | 18:37
 إندبندنت .

مع استمرار الفشل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، بالتوازي مع استمرار تصاعد موجة العنف في الضفة الغربية، وترافق ذلك مع خطر اندلاع صراع إقليمي أوسع نطاقاً يشمل إسرائيل وإيران يلوح في الأفق، قد يبدو أي حديث عن «السلام» وكأنه مهمة مستحيلة، لكنه، وفي أوقات الأزمات الحالية هذه تحديداً هناك ما يفرض علينا العمل على مضاعفة الجهود للبحث عن الحلول.

هذه اللحظة التي وصلنا إليها- وهي الأسوأ بالنسبة إلى الفلسطينيين والإسرائيليين على الإطلاق- سببها أنه عندما أصبحت محادثات السلام صعبة للغاية، أو تعرضت للعرقلة، قام العالم بالتخلي عنها، تاركاً العملية معلقة تنتظر «فرصة مقبلة أخرى».

آخر مرة تركنا الأمور فيها «لفرصة مقبلة» أفضت إلى أكبر خسارة في الأرواح شهدناها حتى اللحظة، وإلى زعزعة استقرار المنطقة، كما خلفت كارثة ستعانيها الأجيال المقبلة، لذلك، لا يمكننا بعد اليوم ارتكاب الخطأ نفسه مرة جديدة.

ولهذا السبب، فإن إعلان رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر التزامه إنشاء «صندوق دولي للسلام الإسرائيلي- الفلسطيني» سيعمل على إطلاق أعماله خلال «اجتماع افتتاحي يعقد في لندن، ويهدف إلى تقديم الدعم لجمعيات المجتمع المدني في المنطقة»، هو أمر مهم للغاية.

إن تعهد رئيس الوزراء يعكس الزخم العالمي المتزايد الداعم لجهود النهوض بالسلام انطلاقاً من المستويين الشعبي والأهلي، وضمان أن أصوات أولئك الذين عملوا طويلاً من أجل المساواة والأمن والكرامة للجميع ليست مسموعة فقط بل تقوم بدور فاعل في تشكيل الظروف المجتمعية والسياسية اللازمة لتحقيق حل حقيقي للنزاع.

إن محاولاتنا الدبلوماسية المتتالية التي كان كتب لها الفشل في حل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني والتي كانت آخرها قبل أكثر من 10 أعوام، لم تشهد تركيزاً كبيراً على العوامل المجتمعية التي غاب أثرها عن دعم الجهود الدبلوماسية وفاعليتها، لماذا إذاً لم نشهد أي محاولة حقيقية لتوسيع وتركيز نطاق العمل المهم جداً على تدعيم ما تنجزه القوى الفاعلة من نشطاء بناء السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين ينشطون في الداخل، وبين القوى المجتمعية لدى الجانبين، من أجل العمل على التوصل إلى حلول حقيقية للنزاع، ما من شأنه دعم نجاح «فرص» أي عملية مستقبلية للسلام بصورة فاعلة؟

إن الجدل الدائر حالياً حول المفاضلة بين مقاربات العمل «من أعلى إلى الأسفل»، أو العمل «من المستوى الشعبي وصعوداً»، هو أمر لا معنى له، فنحن بحاجة إلى المقاربتين، إذ يمكن لمفاعيل كل من الديناميتين تعزيز الأخرى وتعزيز فتح المجال لزيادة فرص نجاحهما.

وهنا يأتي دور «الصندوق الدولي لدعم السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، فهو الأداة القادرة على توسيع نطاق جهود الدعم على المستوى الشعبي، والمحافظة على استدامتها، فيسهم ذلك في المساعدة في انشاء البنية التحتية المجتمعية ويبث الثقة والزخم السياسي والأفكار الجديدة اللازمة لنجاح أي عملية تفاوضية لإحلال السلام.

فكرة المشروع مستمدة من فكرة «الصندوق الدولي لدعم أيرلندا» الذي تأسس عام 1986، في عز زمن الاضطرابات في الإقليم، عندما كان السلام بين الأيرلنديين يبدو أمراً بعيد المنال، تماما كما هي الحال عليه اليوم بالنسبة إلى كثيرين في الشرق الأوسط.

ومن خلال توحيد استثمارات كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ودول الكومنولث معاً، يمكنه أن يصبح ما كان أطلق عليه كبير مفاوضي بلير، جوناثان باول الذي يشغل اليوم منصب مستشار السير كير ستارمر للأمن القومي، ذات مرة أنه «البطل المجهول العظيم وراء نجاح اتفاق الجمعة العظيمة»، وهو ربما في حد ذاته أهم إنجاز تاريخي كانت حققته حكومة حزب العمال في آخر فترة كانت فيها على رأس السلطة في المملكة المتحدة.

هناك رغبة عابرة للأحزاب في برلمان المملكة المتحدة تجمع على ضرورة إنشاء مثل هذا الصندوق، إضافة إلى دعم قادة عماليين آخرين من حزب العمال مثل وزير الخارجية دايفيد لامي ورايتشل ريفز، يشار هنا إلى أن حكومة حزب المحافظين عام 2018، كانت هي التي منحت تأييد المملكة المتحدة لفكرة إنشاء مثل هذا الصندوق، كما أن رئيس الوزراء السابق ريشي سوناك، وكذلك قيادة الديموقراطيين الليبراليين أعربت عن دعمها العلني لفكرة الصندوق باستمرار أيضاً.

نحن كاتبا هذه المقالة، كنا دافعنا من خلال وجودنا في السلطة أو المعارضة على حد سواء، عن هذه الفكرة طوال أعوام عدة، وهذا المشروع كان حظي بدعم برلماني واسع النطاق على نحو غير عادي، وإن أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، كانت تظهر أن الوقت حان الآن للعمل، وأنه يتحتم على هذه الحكومة البريطانية الجديدة التي وصلت إلى السلطة حديثاً أخذ زمام المبادرة.

ويتماشى التزام كير ستارمر أيضاً مع الاعتراف الدولي المتزايد بأن المجتمع المدني يجب أن يقوم بدور محوري في أي عملية تؤدي إلى حل دبلوماسي للنزاع، وعام 2020 كان الكونغرس الأميركي قد أقر قانون الشراكة من أجل السلام في الشرق الأوسط الذي دعا إلى استثمار 50 مليون دولار أميركي سنوياً لدعم مثل تلك الجهود، وصدق الرئيس ترامب عليه ليصبح قانوناً خلال الأيام الأخيرة من ولايته الرئاسية الأولى.

وفي وقت سابق من العام الحالي، أطلق قادة دول «مجموعة السبع» التزاماً غير مسبوق، عبر تأكيدهم أن عملية بناء السلام من خلال المجتمع المدني هي عنصر حاسم في طريق تحقيق سلام عن طريق المفاوضات، ودعوا إلى تقديم دعم منسق ومؤسساتي لتلك الجهود، وإعداد الأرضية لإنشاء صندوق دولي يمكنه تنفيذ مثل هذه الرؤية.

ذلك التوافق في الرؤى بين قيادة المملكة المتحدة والمجتمع الدولي يأتي في وقت مناسب جداً، فقد كان لأحداث السابع من أكتوبر، وأعمال العنف المستمرة والانقسامات وانعدام الثقة في المجتمعات أثر عميق أضر بها، مما صب في مصلحة المتطرفين من كلا الجانبين، ولذلك فإن العمل من أجل ترميم تلك الثقة جزء أساسي من عملية التعافي، وهنا يصبح عمل الساعين إلى بناء السلام من الناشطين في المجتمع المدني أكثر أهمية.

وإن إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن وزير خارجيته سيستضيف الاجتماع الافتتاحي لدعم جهود بناء السلام المجتمعي هو خطوة أولى ضرورية للغاية، وهي تتوافق جداً مع نهج «الواقعية التقدمية» الذي يتبناه وزير الخارجية البريطاني دايفيد لامي، وإن من شأن ذلك الاجتماع أيضاً أن يؤدي إلى ترسيخ دور المملكة المتحدة كقائدة في عملية إعادة تشكيل مستقبل تلك المنطقة من العالم.

إن الحكومة البريطانية حالياً هي في وضع يؤهلها للقيام بذلك لثلاثة أسباب:

أولاً، جهودها العلنية للتواصل مع الشركاء الدبلوماسيين وزيارات الوزراء المشتركة تُبرز سعي الحكومة إلى فتح صفحة جديدة في علاقاتها الرئيسية.

ثانياً، تحتفظ بريطانيا بنفوذ كبير في الشرق الأوسط، غالباً ما يكون جسر تواصل بين أطراف مختلفة.

ثالثاً، هناك تجربة أيرلندا الشمالية التي يدرك كير ستارمر من خلال مشاركته الشخصية والمهنية فيها الدور المهم الذي اضطلع به المجتمع المدني في إرساء أسس السلام.

كثيراً ما كانت المملكة المتحدة ولا تزال وسيطاً محايداً، وهذا الدور مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، ويمكن لرئيس الوزراء ووزير الخارجية أن يفيا بذلك الالتزام، أي العمل على عقد اجتماع يضم حلفاءهم من دول «مجموعة السبع»، وشركاءهم من دول المنطقة لإطلاق مؤسسة تستفيد من دروس الإخفاقات الماضية، وتضع الإسرائيليين والفلسطينيين على طريق مستقبل مشترك أكثر عدلاً وسلاماً وأماناً.

* أليستر بيرت وواين دايفيد

أليستر بيرت نائب سابق ووزير دولة في وزارة الخارجية ووزارة التنمية الدولية من 2017 إلى 2019.

وواين ديفيد نائب سابق وكان وزير الظل للشؤون الخارجية وشؤون الكومنولث من 2020 إلى 2021.

back to top