كنت أود الحديث اليوم عن انتخابات المجلس المقبل، لكن شاءت المصادفات أن ألتقي بأحد الإخوة الأعزاء الذي لا يبخل عليّ بالتوجيه والنصح ليلفت نظري إلى موضوع مرّ مرور الكرام في أوج انشغال الكتّاب والناس بالحملة الانتخابية، وأتحدث هنا تحديداً عن مقتل أحد المواطنين على يد عدد من الوافدين بسبب الاختلاف على موقف سيارة! فتأتي هذه الحادثة مع تصاعد وتيرة جرائم بعض العمالة الوافدة بسبب إهمال الدولة لهذا الملف لعقود طويلة عاث فيها تجار الإقامات فساداً بالبلد من دون حسيب أو رقيب.

Ad

ولا يعد الأمر مقتصراً على ارتفاع جرائم القتل الفردية، بل امتدت أيضاً لتشهد تصفية حسابات بين بعض الجاليات، وحتى بين بعض عوائل الجالية الواحدة ثأراً لجرائم حدثت في بلدهم الأم! وتحولت بعض المناطق مثل خيطان إلى دولة داخل دولة، ويقوم بعض الكفلاء حتى بالتوسط للإفراج عن بعض المجرمين.

وليت المشكلة وقفت عند هذا الحد، بل نراها امتدت كذلك إلى إنشاء شبكات دعارة وتسول نتيجة العمالة السائبة والكبت الجنسي الذي يعانيه كثير من الوافدين العزاب بسبب عدم قدرتهم على اصطحاب عائلاتهم معهم نتيجة لتدني أجورهم. لذلك، فمن الطبيعي جداً أن تحدث هذه الجرائم، بل أقول إن عدم حدوثها هو أمر منافٍ للطبيعة، فمن يدري، ربما كنا سنقترف نحن مثل هذه الجرائم لو كنا في مكانهم.

ولكن الغريب في الأمر هو عدم «جر» أي من تجار الإقامات الكبار إلى المحاكمة، بل إنني شخصياً لم أسمع أو أقرأ عن أي حكم ضد أي تاجر إقامات إطلاقاً، رغم توافر المعلومات عن كفلاء هؤلاء المجرمين الذين اعترف الكثير منهم بأنه يدفع لكفلائه مقابل تركه يعمل ما يريد من دون حسيب أو رقيب. وأوضح مثال على ذلك «وحش حولي» الذي كان يعمل بوظيفة غير تلك المذكورة بإقامته! فإذا كانت الدولة جادة فعلاً في إيجاد حل لهذه المشكلة ومعاقبة المجرمين فلتحاكم تجار الإقامات الذين جلبوا هؤلاء المجرمين إلى البلد ولتنشر أسماءهم في الصحف ليكونوا عبرة لغيرهم.

ومن ناحية أخرى، فإن نظام ترسية المناقصات بدوره يساهم في انتشار هذه المشكلة أيضاً، وقد كشف عضو المجلس البلدي الدكتور فاضل صفر أثناء ترؤسه لجنة التحقيق الخاصة بعقود شركات النظافة، أن إحدى هذه الشركات اعترفت بأن الربح الذي تجنيه يأتي من الأموال التي يدفعها العمال أنفسهم للشركة! أي أن الشركة لا تدفع معاشات للعمال، بل يقوم العمال بدفع معاشات للشركة، ولذلك نرى العمالة المتسولة في الشوارع من جانب، ونرى تظاهرات العمالة الآسيوية المتكررة من جانب آخر نتيجة عدم تقاضيهم رواتبهم الزهيدة التي تعادل قيمة عشاء سندويتشات فلافل لديوانية صغيرة! وكل ذلك نتيجة لفساد هذه الشركات وفساد نظام ترسية المناقصات.

إن استفحال ظاهرة استقدام المزيد من العمالة الأجنبية حتى صارت تشكل 70% من سكان البلاد لهو تهديد للأمن القومي لهذا للبلد، وما لم تتحرك الدولة لحل الأسباب الحقيقية للمشاكل المصاحبة لهذه الظاهرة وإصلاح قانون الكفيل الفاسد الذي مللّنا من حديث وزارة الشؤون عن إصلاحه من دون أي خطوات عملية، فإن ما نشهده هذه الأيام سيكون «غشمرة» بالنسبة لما سيحدث في المستقبل.