الخطاب والسلطــة

-2 هل الخطاب الديني سلطة بديلة أم تحرر من السلطة؟ وخطورة الخطاب الديني السياسي أنه ينتقد الوضع القائم، ويساهم في تقويضه مع الخطاب السياسي الأيديولوجي، الليبرالي أو القومي أو الماركسي لصالح نظام إسلامي بديل، تغلب عليه المحافظة التقليدية. لا يفترق عن النظام السياسي الذى تم تقويضه إلا في الاسم. فالبنية في كلا الخطابين والنظامين السياسيين، القديم والجديد، بنية واحدة تقوم على التسلط والتفرد بالقرار باسم الزعامة التاريخية أو باسم الحاكمية لله أو الخلافة الإسلامية. ولو وصل النظام السياسي إلى تداول السلطة، وهو أقصى ما تطمح إليه المعارضة، فإن السلطة القائمة والسلطة البديلة، سلطة اليوم وسلطة الغد، سلطة انفرادية، أحادية النظرة. اليوم أقلية وغيرها أغلبية، وغدا تصبح أغلبية وغيرها أقلية، وهو غير مفهوم الائتلاف الوطني والمشاركة السياسية لكل الفرق مع أكبر قدر ممكن من التعددية السياسية والفكرية مع الاتفاق على برنامج إنقاذ وطني موحد. فالحق النظري متعدد، والحق العملي واحد. هدف الخطاب الديني ليس في أن يصبح سلطة بديلة بل التحرر من كل سلطة سياسية أو نصية حتى يسترد العلماء حرية الفكر، ويستعيدوا ثقتهم بالنفس، ويمارسوا الاجتهاد والنظر من جديد، ويصبحوا فقهاء الأمة لا فقهاء السلطان. الخطاب سلطة في رأي البنيويين المعاصرين، وهو تحرر في لاهوت التحرير. وقد كان خطاب الملوك ووجهاء القوم والأحبار والكُهّان ورجال الدين سلطة. وواجهه الأنبياء والمصلحون والثوار بخطاب تحرر. -3 هل الخطاب الديني للتكسب والشهرة في أجهزة الإعلام أم لممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء الواجب، والمحافظة على المصالح العامة؟ وقد تحول الخطاب الديني في العقد الأخير بعد انتشار القنوات الفضائية الخاصة بالبرامج الدينية وبروز مشايخ الفضائيات إلى خطاب شهرة وإعلام وتكسب وتجارة. وتحول من رسالة إلى حرفة، ومن قضية إلى صنعة، ومن حفاظ على المصالح العامة إلى دفاع عن المصالح الخاصة، ومن عمل لوجه الله إلى عمل بهدف الربح كما يفعل القراء قديما وحديثا في التكسب بالقرآن، وكما فعل الشعراء في بلاط دواوين الخلفاء. تحول الدعاة إلى نجوم، ولكلٍ جماهيره والمعجبون به ومستمعوه ومشاهدوه. يقطعون الأميال لسماعه، ويسهرون الليالي لمشاهدته، لا فرق بينهم وبين نجوم الكرة أو نجوم الغناء أو نجوم السياسة، ويتحول الخطاب من مستوى الفكر إلى مستوى التمثيل، من القول باللسان إلى حركات الوجه، العينين والحاجبين، والرأس والكتفين. ويتمايل الجسد يمينا ويسارا، وخلفا وأماما للتأثير على المستمعين، ويقوّى المشهد المسرحي الديكور الإسلامي المزخرف، والملابس البيضاء، واللحى السوداء، والقرآن على مسنده «الأرابيسك» ليوحي بالسلطة، سلطة المظهر، وسلطة الكتاب. والأضواء ساطعة على «زبيبة» الجبهة من آثار السجود، واللغة العربية فصحى، ويعتمد الخطاب على البلاغة وحسن التعبير، والوجه الصبوح خاصة إذا كان الداعية شابا، موضوعاته تدور حول «صناع الحياة». يدغدغ عواطف الشباب والشابات، ويعرض قضايا الجنس والحب والزواج. المادة العلمية من كتب التراث القديم، والإخراج من فنون الإعلام الحديث. والخطاب المدون الإعلامي الآخر عن «الإسلام والعلم»، فالقرآن قد سبق الغرب في نظرياته، نظريات الذرة والكيمياء الحيوية وعلوم الأجنة والبصمة البشرية، فيفرح المسلمون بما آتاهم الله من دين وعلم، وتسخير الغربيين لهم، يستمدون منهم علومهم بعد أن أكرمهم الله بالدين. فيسجلون نقطتين بينما الغرب نقطة واحدة، وهو العلم. وعلم بلا دين سرعان ما ينهار، وتنتهي الحضارة الغربية، وينتصر المسلمون ويصبحون خلائف في الأرض، فيتخدر الناس، ويبقون على جهلهم، ويتركون العلم لغيرهم.-4 هل الخطاب الديني يبقى إلى الأبد أم ينتهي بتحقيق مقاصده؟ يقوم الخطاب الديني بوظيفة وقتية وهو إيقاظ الناس، والمساهمة في تشكيل وعيهم من خلال حركة إصلاحية عامة مع الخطاب السياسي الاجتماعي والخطاب الثقافي. وطالما أن الموروث القديم مازال حيا في قلوب الناس، حاضرا في وجدانهم فإنه من السهل الاعتماد عليه في تحريكه وتوجيهه وتوظيفه لتحقيق أهداف الخطاب. فالخطاب الديني وسيلة لا غاية، هدف مرحلي وليس هدفا نهائيا. فإذا ما تحققت مقاصده وتحول الدين إلى واقع، والوحي إلى نظام، والعقيدة إلى شريعة، ينتهي الخطاب الديني، ويتحول إلى خطاب سياسي للحفاظ على هذه المكتسبات ملتحما بباقي الخطابات السياسية على اختلاف مذاهبها الليبرالية والقومية والماركسية. وطالما أن الدين يقوم بدور الإيديولوجية السياسية في المجتمعات التراثية يظل الخطاب الديني قائما ليحول الدين إلى إيديولوجية سياسية تقوم على التحليل الإحصائي الدقيق لموارد المجتمع بدلا من الاعتماد على النص في الخطاب الديني القديم.استمرار الخطاب الديني إذن مشروط ببقاء الموروث الديني القديم لتجديده وتطويره وترشيده وتحويله إلى خطاب عقلاني، يعتمد على براهينه الداخلية وليس على نصوص خارجية. فالعقل يرفض أي سلطة غير سلطته، ويتعامل مع الواقع الإحصائي الذي لا يختلف عليه الجميع. كما يستمد مادته من معطيات العلوم الإنسانية. وهذا هو المعنى العميق من أن الإسلام آخر الرسالات، يكتمل الوحي فيه. فالوحي والعقل والواقع نسق واحد، ومن ثم يكتمل التحول من الإصلاح إلى النهضة، وتعود الأمة من جديد إلى مسار التاريخ تؤثر فيه، وتأخذ بزمامه، وتحسن ريادته.* كاتب ومفكر مصري