Ad

لا شك أن كلمة الكويت هذا العام عكست تغييراً في المنظور الاستراتيجي، يتمثل في طرح رؤى لتحديث وتطوير السبل التي تنتهجها المنظمات في مواجهة التحديات، ودعم الحلول السلمية للقضايا كافة.

«... من المؤسف أن نرى حالة الفقر والجوع والمرض مستمرة في الدول النامية، بل من المؤلم أن نرى أكثر من نصف سكان الأرض يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، الأمر الذي يتطلب نظرة جادة ومراجعة حقيقية لمعوقات التنمية في العالم النامي، وهنا فإن دولة الكويت تطالب منظمة التجارة الدولية ومؤسسات نظام «بريتون وودز» بتخفيف القيود على صادرات الدول النامية ووضع نظام تجارة دولي أكثر عدلاً وإنصافاً للدول الأقل نمواً والأكثر فقراً ...» نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ الدكتور محمد الصباح ملقيا كلمة الكويت في الدورة ال62 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

كلمة الكويت هذا العام تستحق التوقف والتحليل، ولست هنا بصدد المدح أو المجاملة، إنما لقراءة محايدة لما حملته محاور هذه الكلمة في طياتها من رسائل ونقاط جديرة بالتحليل:

المحور الأول من الكلمة ركز على قضية مهمة، وهي إنجازات منظومة الأمم المتحدة، فعلى الرغم من أهمّيتها فإن عدم القدرة على مجابهة التحديات يدل على عدم كفاية تلك الجهود، إذ أشارت الكلمة إلى الإشادة بالجهود المبذولة أخيراً من قبل المنظومة الدولية بتشكيل المزيد من اللجان المتخصصة والصناديق التنموية الداعمة، وانتهى المحور الأول لكلمة الكويت بالمطالبة بتغيير نمط المنظومة وأسلوب تعاملها مع التحديات، وذلك بسبب استمرار الإرهاب وتفشي الأمراض الخطيرة والفقر والجوع وغيرها من الكوارث التي تهدد المجتمع الدولي.

وأما المحور الثاني فرفعت الكويت من خلاله شعاراً تنموياً جديداً، إذ عزز إيمان الكويت بأهمية المعونات الاقتصادية كمجال رئيسي لتعزيز الشراكة الدولية، وتحدد هذه النقطة ملامح الدور الكويتي في منظومة الأمم المتحدة والمتمثل في الالتزام بالقرارات والتعهدات وأخذها على محمل الجد، ومنها الجهود المبذولة في تعزيز دور المرأة وتحسين مستوى الفرد، وتعزيز قيم الوسطية والتسامح ونبذ التعصب، ثم استعرضت الكويت دورها، من خلال الكلمة، في تحقيق الأهداف التنموية عن طريق تسخير الصندوق الكويتي للتنمية لتمويل المئات من المشاريع، التي ساهمت في دفع عجلة التنمية في أكثر من 100 دولة، واختتم المحور بمبادرة ورؤية حول السبل الجادة للتعامل مع معوقات التنمية في العالم النامي، وذلك بإعادة النظر في منظومة التجارة الدولية ومؤسسات «بريتون وودز» من أجل تعديل مسار العولمة التجارية وتقليص الفجوات الاقتصادية بين الدول.

ثم يستمر الخطاب من خلال المحور الثالث، ملقياً الأضواء على أهمية الدور المستقبلي للأمم المتحدة في العراق... ومن الجدير بالذكر هنا الدور الرئيسي المهم الذي أدته الكويت في احتضان مبادرة العهد الدولي، وذلك باستضافتها المؤتمر التحضيري في العام الماضي بحضور ممثلي دول عربية وهيئات دولية... قبل انطلاق المبادرة إلى شرم الشيخ لتتبلور وتتحول إلى منتدى للعهد الدولي في نيويورك.

وجاء بعد ذلك في كلمة الكويت، التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني محوراً رابعاً أعلنت الكويت من خلاله تأييدها للمؤتمر الدولي المزمع عقده، مطالبةً بأن يكون وفقاً لمرجعية مدريد والمبادرة العربية، وخارطة الطريق، ومطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية كلها التي احتلتها عام 1967 بما فيها الجولان، ويستمر الخطاب بعد ذلك معززاً انتهاج الكويت دبلوماسية التوافق والحوار في الشأن اللبناني.

وأما المحور الأخير من الكلمة فقد ابتدأ بالترحيب باتفاق إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثم انتقل إلى مرحلة التمنيات باستمرار الحوار بين إيران والمجتمع الدولي، وانتهى بمطالبة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل، للانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع منشآتها النووية كلها لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم تتكئ الدبلوماسية الكويتية في موضوع الالتزام بقواعد القانون الدولي وعلاقات حسن الجوار على الشعارات فقط، إنما أشارت إلى قضية خليجية مهمة وحيوية وهي قضية الجزر الإماراتية المحتلة.

وفي الختام... لا شك أن كلمة الكويت هذا العام عكست تغييراً في المنظور الاستراتيجي، يتمثل في طرح رؤى لتحديث وتطوير السبل التي تنتهجها المنظمات في مواجهة التحديات، ودعم الحلول السلمية للقضايا كافة، بالإضافة إلى «النكهة التنموية» الجديدة التي تميزت بها الكلمة هذا العام، والتي أصبحت سمة الخطاب السياسي الكويتي.