Ad

«... على الدول العربية أن تحاول جدياً القضاء على الفساد، وإصلاح الإدارة الحكومية والمؤسسات المالية والاستثمارية، وتعزيز العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لبناء ثقة الشعوب...» بعض ما جاء في البيان الختامي للمنتدى العربي في فيينا قبل عدة أيام.

وسعياً للبحث عن معان ومصطلحات جديدة للفساد، وذلك لإثراء معاجم التجاوزات في اللغة العربية، لجأ بعضهم إلى تعريف «الفساد» بأنه سوء استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب ذاتية، وعرفه آخرون بأنه إساءة استخدام السلطة في ظل غياب المؤسسة السياسية الفاعلة، وأنه تجاوزات صارخة للقوانين أيضاً. التعريفات السابقة جميعها صحيح، ومن يدري لعلنا تحضيراً للمؤتمر المقبل نبدع في إيجاد الحلول، كإبداعنا في اكتشاف تعريفات جديدة.

وقد يستغرب بعضهم تلك الرواية، لكنها على ذمة مدونة هندية، تدور حول موظف أدى إبلاغه عن حالة فساد بمكان عمله إلى تعرضه لمضايقات انتهت بإقالته. الموظف، الذي يعمل في إحدى الشركات الأجنبية في الهند، تقدم ببلاغ اتهم فيه زملاءه في العمل باستلام رشاوى من عملاء أجانب، واتهم الشركة بالتلاعب في الميزانية، مشككا في الخسائر التي تعمدت الشركة افتعالها، رغبة منها في تلقي المزيد من المعونات من الطرف الأجنبي، فما كان من زوجته إلا أن أطلقت مدونة إلكترونية تحت مسمى «كورّبشن»، التي تعني «فساد» باللغة الانكليزية، لحماية زوجها، ونشر ثقافة وآلية الإبلاغ عن الفساد. وما كان من الموقع الإلكتروني إلا أن جذّب موظفي المناطق الأخرى للمشاركة، وتطور الأمر إلى تفاعل روابط حقوق العمال مع غيرها من المنظمات.

واللافت للنظر في تلك الرواية هو نجاح الزوجة في إطلاق «صافرة الإنذار» لإدراك الفساد، وفاعلية الطريق الذي سلكته. ولعل الرواية تكون بمنزلة حافز لجمعيات النفع العام العربية، لنشر القوانين المحلية والإقليمية والدولية، دون الحاجة الى إطلاق حملة وطنية، بميزانية خيالية، لإدراك مفهوم الفساد.

أقول ذلك بعد متابعتي الرواية الهندية، التي يقابلها على الطرف الآخر روايات عربية كثيرة. خلاصة القول إننا بحاجة إلى «ترمومتر» يحدد مدى التزام المؤسسات بالمعايير المختلفة لمكافحة الفساد، كمعيار الكفاءة بوصفه أساساً للتوظيف، وذلك للتخلص من آفة الواسطة التي تسللت إلى جميع المؤسسات بلا استثناء، كما أننا بحاجة إلى آلية جديدة تحمي الموظف الذي يبلغ عن الفساد، وإلى مشروع يرعى الناشطين في هذا المجال ويحفزهم لدراسة أحدث أساليب مكافحة الفساد بأنواعه، لحماية وتحصين البيئة الاقتصادية والسياسية معاً، حتى لا تتحول من بيئة جاذبة للاستثمارات إلى بيئة جاذبة لـ «التجاوزات».

كلمة أخيرة... رسم وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في مقال نشرته «الحياة» صورة شاملة لوضع لبنان، وأشار إلى الاقتراح الفرنسي الذي، بكل بساطة، يستهدف جمع اللاعبين السياسيين الذين تعطلت لغة الحوار فيما بينهم، حول طاولة واحدة.

وهنا نتساءل: ماذا لو تبنت الجامعة العربية هذا المنطلق قبل خوضها رحلة الصلح المتعثرة الى لبنان؟