الاغلبية الصامتة : محكمة عطاالله الدستورية


نشر في 20-05-2010
آخر تحديث 20-05-2010 | 00:01
 إبراهيم المليفي في ظهيرة أحد الأيام من عام 1998، وأنا منكبّ على عملي في جريدة «السياسة»، هاتفني رحمه الله كعادته بشكل مباغت كما اعتاد أن يباغت كل الناس في حضوره وغيابه، وبكلمات قليلة طلب مني القدوم إلى منزله بقرطبة، واصطحاب «أبوالخير» (قاسم أفيوني)، سألته مرتبكاً: «بوقتيبة شصاير»؟ فردّ بأنه رتّب «عزيمة» غداء سريعة لبعض ضيوف مهرجان القرين الثقافي.

أخذت «أبوالخير» الذي قبل الدعوة المستعجلة دون تأفف لأنه يعرف فوضى صديقه القديم أحمد الربعي جيداً. تلك الجلسة لا أذكر منها سوى كاتبنا الكبير عبدالرحمن النجار ومدير تحرير «الرأي العام» الأستاذ علي الرز والكاتب اللبناني سمير عطاالله وصديقي الدائم محمد البغلي، وفي جلسة بهذا الوزن أثير الكثير من القضايا المطروحة على الساحة العربية والقفشات الخفيفة حتى سمع صاحب الدعوة قرقرة بطون ضيوفه فهو يدعوهم إلى وليمة الغداء، وعلى الطاولة العامرة بالآراء والأذواق والأرز والأمراق، مازلت أذكر وصف الربعي للحالة السياسية الكويتية في حينها: «نحن نمر بوضع ليس له مثيل... الحكومة والمجلس كلاهما يعاني الضعف في الوقت نفسه».

وبعد الشاي والقهوة فضل أبو الخير إكمال أحاديثه اللبنانية مع عطاالله، فأخذناه معنا لتوصيله إلى الفندق، جلس عطاالله بجانبي و»أبوالخير» في المقعد الخلفي، وطوال الطريق استرجع الاثنان ذكرياتهما وأخذ «أبوالخير» يذكِّر عطاالله: «شايف شو الدنيا تغيرت كنا لما ننزل عالكويت كنا بنؤول نازلين على الصحرا وهلا صرنا نؤول العكس». رد عليه عطاالله الذي عمل مرتين لفترتين قصيرتين في الصحافة الكويتية في «الرأي العام» و»الأنباء»، بصراحة: لم أتحمل العمل كثيراً بالصحراء.

عطاالله كتب يوم الثلاثاء 11 مايو الماضي مسجلاً أسفه لغياب صحيفة أوان» وفرحه لعودة الدكتور محمد الرميحي إلى الكتابة في الخارج لأن: «الكتاب الذين ينقلون قناعات الكويت والخليج إلى باقي العرب، بعقل واتزان، قليلون»، وليته توقف عند هذا المديح الذام، بل أصدر حكماً دستورياً لا استئناف فيه هذا نصه: «عندما كتب الرميحي في العدد الأول أن الهدف هو تدريب جيل كويتي مهني، قلت له فات زمن النقش في الحجر، الكويتي يولد كاتباً ويستحيل إقناعه بالمرور في العمل الصحفي أولاً، إنه يشعر بأن العمل نفسه إهانة لإمكانياته وتبطيء لحماسته إلى الاعتراض وتأخير لرغبته في إنقاذ الكويت والأمة معها»، هل هناك غرور وادعاء معرفة أكثر من ذلك؟ فعطاالله الذي عاش مغترباً بين باريس وكندا أصبح يعرف أحوالنا أكثر منا، ويعمم دون حرج نظريات لم تلامس أرض الحقيقة على كل الصحافيين الكويتيين وكأنهم من طينة واحدة، مثل نظرية التدرج التي ستلزم كل سياسي مفوه أو محام ضليع بالعمل الصحافي قبل أن يصبح كاتب رأي في نظر عطاالله.

إن الكويت التي أنجبت كاتباً عظيماً مثل أحمد الربعي وغيره لم يجف ضرعها كي تعجز عن تصدير أمثالهم إلى الصحافة العربية، ولكن كيف سيبلغون هذه المرحلة وفي كل صحيفة عربية يوجد «أبو العريف» مثل كاتبنا المخضرم سمير عطاالله الذي يضع كتاب عرب الرز» في خانة واحدة ولا يعترف سوى بمعارفه فقط.

الفقرة الأخيرة: الحرية للجاسم والسجن ليس لأصحاب الرأي.

back to top