قضية الكهرباء لا يمكن اختزالها في مسؤولية الوزير المعني، وإن كان مسؤولا عن الإجراءات وتركة من سبقوه، لأن تغيير الوزير لن يحل المشكلة كما لا يجوز من الناحية الأخلاقية أن نلقي بكامل المسؤولية على المواطن المبذر ونطالبه بالترشيد، وننسى أن مشاريع الكهرباء نخرها الفساد.

Ad

إلى أي زمن سترجع بنا حكومات مدينة «الخرير»؟ وعند أي هاوية ستتوقف بعد أن عدنا بحكمتها من جديد إلى زمن «المهفة» التي لم تعد تستعمل سوى في مسلسلات كويت الماضي مثل «التنديل»؟ ودعوني بمناسبة انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق كثيرة، أن أنقل لكم شيئا من وقائع محاضر المجلس التأسيسي يوم الثلاثاء الموافق 4 أبريل 1962 جلسة 9/62 للتدليل على أن علتنا الكهربائية «باطنية» لا ظاهرية.

تلا الأمين العام الشكوى المقدمة من العضو المحترم خليفة طلال الجري: «إن هذه القرى المشار إليها لا يوجد فيها كهرباء والصيف قد أقدم والحر شديد لا يحتمل، لذلك نرى الأهالي يخرجون من منازلهم ويتظللون تحت الأشجار...».

الخبير الدستوري معلقا: الملاحظ من هذا السؤال أنه شكوى والمفروض من العضو أن يقترح وأن يسأل وليس أن يشتكي... ورد عليه الجري: «لقد تقدمت بهذه الشكوى من جراء الإلحاح من قبل أبناء قريتي».

ووجه وزير الداخلية الشيخ سعد العبدالله سؤالا للجري: «أريد أن أسال السيد خليفة طلال الجري هل اتصل بوزارة الكهرباء والماء وسأل عن سبب تأخير وصول الكهرباء إلى القرى؟» ورد الجري: «إنني بالفعل قد اتصلت شخصيا بوزارة الكهرباء والماء وإنني علمت أن هناك مشاريع كثيرة لتزويد القرى بالكهرباء وأنها قيد الدراسة من قبل الخبراء، وأنها بدأت بالفعل في بعض القرى» انتهى.

يا سبحان الله رغم أن المشكلة كانت تخص قرى لم تكن مربوطة بالخدمة الكهربائية، فإن رد وزارة الكهرباء مطابق لردها اليوم، نفس الأكاذيب ونفس المشاريع السرابية التي تستعرض فيها وزارة الكهرباء عضلاتها الواهنة قبيل الصيف، وما إن ينفجر أول محول حتى يقلب وزير الكهرباء الشريط الاستعراضي على الوجه الثاني لنسمع أغاني الترشيد وارتفاع الحرارة والإهمال، عفوا الأحمال الكهربائية.

هذه القضية لا يمكن اختزالها في مسؤولية الوزير المعني، وإن كان مسؤولا عن الإجراءات وتركة من سبقوه، لأن تغيير الوزير لن يحل المشكلة كما لا يجوز من الناحية الأخلاقية أن نلقي بكامل المسؤولية على المواطن المبذر ونطالبه بالترشيد، وننسى أن مشاريع الكهرباء نخرها الفساد، وتحولت مناقصاتها إلى فضائح ترتج لها الأرض، ويصل صداها إلى عنان السماء، الكل يراها ويسمعها ويشمها إلا حكومات مدينة «الخرير» لا تسمع، لا ترى، وتعاني «النشلة».

هذه الحال التي وصلنا إليها لا يعالجها بروشور أو مسج تحذيري، ولكن بإقناع الناس بأن شيئا ما يحدث على الأرض حتى تطوي ثقافة سيادة القانون والعقاب والثواب ثقافة «كل الناس حرامية شمعنى أنا»، و»أنا مالي شغل»، كما يجب من الأمس وليس اليوم أن تجرجر الحكومة ووزيرها جميع المتهمين بفضيحة طوارئ 2007 إلى القضاء استنادا إلى تقرير ديوان المحاسبة ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر، وحتى لا يضيع مبلغ 408 ملايين دينار هباء من خزينة الدولة، وشطرا من هيبتها التي لا يمكن استعادتها بالعصي والسجون.

أما مجلس النكبة فكلما حاولنا نسيانه هبطت علينا أخباره من كل صوب، وآخرها سقوط جلسة إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد وكشف الذمة المالية.

ختاما أرجو ألا تتضمن خطة وزارة الكهرباء توزيع «المهفات» ضمن البطاقة التموينية الشهرين القادمين.

* المهفة: مروحة يدوية مصنوعة من سعف النخل كانت تستخدم أيام جدي لتخفيف حرارة الجو.

الفقرة الأخيرة: الحرية لحرية التعبير، الحرية لسجين الرأي الكاتب محمد عبدالقادر الجاسم.