انصبت تعليقات معظم القراء على مقاليَّ السابقين عن مسؤولية العرب والساسة العراقيين عما جرى ويجري الآن في العراق، من احتقان سياسي خطير يتمثل في رفض السلطة السياسية الحاكمة الآن، التنازل عن كرسيها، ورفضها تداول السلطة، واعتبار السلطة مغنماً، لا تنازل عنه. وكذلك مسؤولية العرب الذين دفعوا بآلاف الإرهابيين لتدمير العراق، وهذه التعليقات انصبت على لوم أميركا في الدرجة الأولى وتحميلها مسؤولية ما يجري في العراق، دون باقي الأطراف الأخرى من عرب، ومن ساسة عراقيين.

Ad

ولا شك أن أميركا مسؤولة عما جرى، بل هي ارتكبت بغزوها للعراق غلطة تاريخية لا تغتفر لها من قبل العرب، الذين سوف يرددون ذكر هذا الخطأ مئات السنين القادمة، كما يرددون حتى الآن جريمة الحروب الصليبية التي تمّت في القرن الحادي والثاني والثالث عشر (1069-1291)، لاسيما أن الغزو الأميركي للعراق قد سُمّي في بداية الغزو عام 2003 بـ "الحرب الصليبية" كما فسّرتها الأصولية الدينية الإسلامية.

ماذا كان على أميركا أن تفعل؟ فما مسؤولية أميركا تجاه عراق 2003؟ وماذا كان عليها أن تفعل لكي لا ينتهي العراق إلى مرحلة الاحتقان السياسي و"الدكتاتورية المُقنَّعة" التي تحكمه الآن؟

بادئ ذي بدء يجب أن نعترف، بأن أميركا لم تكن تعلم العلم الكثير والواثق عن أحوال العراق، وعن التركيبة الاجتماعية له، وعن تاريخه السياسي قبل 2003، وعلى الرغم من أن الجامعات والمعاهد الأميركية مليئة بالدراسات التاريخية والسياسية عن الشرق الأوسط، وعن العراق خاصة، فإن الإدارة الأميركية السابقة في عهد بوش الابن لم تقرأ هذه الدراسات، وإن قرأتها فهي لم تفهمها، أو أنها تجاهلت الحقائق السياسية والاجتماعية والثقافية التي تضمنتها. واعتمدت في قرارها لغزو العراق على ساسة المعارضة العراقية، الذين كانوا يتربصون بخزائن العراق وثرواته لنهبها والفرار بها. وهو ما حدث منذ 2003 حتى الآن، إلى الحد الذي وصفت به "منظمة الشفافية الدولية" الفساد المالي والنهب المسعور في العراق، بأنه "أكبر فضيحة فساد شهدها تاريخ البشرية" كما ذكرنا، ووثقنا ذلك في مقالات سابقة، هنا على هذه الصفحة.

إذن، فقد غزت أميركا العراق، وهي لا تعلم ما هيته، ولم تقرأ ما كتبه علي الوردي عالم الاجتماع العراقي وابن خلدون عن العراق وعن تاريخه الاجتماعي (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) والجزء الخامس من (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق) وغيرهما من الكتب التي كتبها علماء الاجتماع العراقيون كعلي الوردي، وفالح عبدالجبار، وحنا بطاطو، وغيرهم.

وإذا كنا نحن المراقبين العرب خارج العراق، لا نعلم عنه الشيء الكثير، ولا نعلم عنه، إلا ما كانت تنتجه الثقافة العراقية والمثقفون العراقيون داخل العراق وخارجه من شعراء، وروائيين، وقصاصين، ومؤرخين، ومسرحيين، ومطربين، وموسيقيين، وفنانين تشكيليين، وغيرهم... فتقصير أميركا في هذا الشأن لا مبرر له، لاسيما أنها تملك من الأجهزة الاستخباراتية والمعلوماتية ما يمكنها- كما يعرف عنها العرب في الشرق الأوسط– من معرفة (دبيب) النملة في كل قطر عربي.

فكيف فات على الإدارة الأميركية أن تعلم طبيعة وتركيبة النظام الاجتماعي والسياسي والتاريخي للعراق، والتي تعتبر المرحلة الحالية (الديمقراطية المُقنَّعة) إحدى إفرازاته ونتاجاته؟

فإذا كانت تعلم، فلماذا اتخذت قرار الغزو لزراعة الديمقراطية في غير أرضها، المهيأة لها تهيئة سليمة؟

وإذا كانت لا تعلم فالمصيبة أعظم، فمن يمكن أن يعلم غيرها في هذه الحالة، وهي التي تُوصف بأنها حامية العالم، وسلطان العالم، وعلوم العالم؟

فهل– كما قيل كثيراً– أن الدافع لغزو العراق كان تخيلات دينية هرطقية (بوشيّة) نتيجة لنقل الرئيس بوش الابن مكتبه من البيت الأبيض إلى الكنيسة، كما سبق أن قلنا في عام 2008. وكاد الرئيس بوش أن يكون هو الرئيس الأميركي الوحيد، الذي نقل مكتبه من البيت الأبيض إلى الكنيسة، وهذه الصورة المجازية تشرح كيف أن الرئيس بوش، كان من أكثر زعماء الغرب ارتباطاً بالكنيسة. كما أن هذه الصورة المجازية تشرح إلى أي حد كانت سياسة بوش في الداخل والخارج، تنبع من منطلق ديني بحت، شجعه عليه فريق في أميركا يطلق عليه "فريق الصلاة الرئاسية". ويتولى هذا الفريق تثقيف الرئيس بوش دينياً، وإخضاع قراراته السياسية المهمة لتبريرات دينية. كما أن هذه الصورة المجازية تشرح حرص الرئيس بوش على الصلاة في الكنائس، كلما زار بلداً في الشرق، أو في الغرب، وكان آخرها- في عهده- حرصه على الصلاة في "كنيسة المهد" في بيت لحم، عندما زار منطقة الشرق الأوسط في 2008، وحرصه كذلك على الصلاة في كنيسة بروتستانتية في بكين، أثناء حضوره فعاليات الأولمبياد في بكين.

ودليلنا على أن بوش الابن، اتخذ قرار غزو العراق من منطلق ديني وليس من منطلق سياسي– وربما سيظهر هذا واضحاً في مذكراته التي سينشرها قريباً- قول بوش في شرم الشيخ، في أغسطس 2003 : "أنا أقوم بمهمة بأمر من الله، إن ما أقوم به من حرب في أفغانستان ضد الإرهاب هو أمر من الله. لقد أبلغني الله أمراً يقول: "جورج اذهب، وحارب هؤلاء الإرهابيين في أفغانستان، فذهبت إلى أفغانستان. ثم أمرني الرب، بأن أذهب وأحارب الطغيان في العراق، فذهبت وحاربته".

وكذلك، قول بوش في بنسلفانيا في 9/7/ 2004 :

"أنا رئيس ملهم من الرب، ومن دون هذا الإلهام، لا أستطيع أن أقوم بعملي".

وقوله أثناء حفل الإفطار للمصلين من أميركا اللاتينية في واشنطن، 16/5/2000: "ليس هناك قوة تساعد على التغيير في أي بلد في العالم، كالعقيدة الدينية". وهناك مواقف أخرى كثيرة تدل على أن بوش في نهاية ولايته أصبح قسيساً من قساوسة السياسة الكنسية، وبطريركاً من بطاركتها.

وهناك مصادر متعددة تتحدث عن "بوش القسيس"، حتى أن مجلة النيوزويك الأميركية خصصت في 11/3/2003 عدداً لها بعنوان "بوش والرب". وكتب المعلقون الأميركيون يقولون: "بوش يحكم بعقيدته الدينية، وهو أكثر تقليدية بطريقة تفكيره، وإن ثقافته ثقافة التبشير". كما وصفه ديفيد فرام.

 والرئيس بوش الابن بذلك، أصبح لا يختلف عن أي رئيس ديني في الشرق الأوسط، وربما كان أحمدي نجاد في إيران، أقرب الأمثلة الحية إليه، من حيث تعصبه، وتشدده الديني، ونظرته في اتخاذ قرارات سياسية من منظور ديني بحت، وانتظاره للمهدي المنتظر الذي تجسم في آخر المطاف بالقنبلة النووية التي ستنتجها إيران بعد مدة.

(وللموضوع صلة).

* كاتب أردني