الكويتيون تحت الاحتلال كانوا أكثر تحضراً من هذه الأيام ونحن ننعم بالحرية، إننا اليوم أكثر تطرفاً في تعاملاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين، ونظرتنا إلى مفهوم الحقوق والواجبات تنبع من عقدة التفوق المبنية على أوهام الانتصار الحتمي على كل ما هو مختلف دون عمل أو جهد. لدي مقياس بسيط أعتمد عليه في قياس مدى تحضر أو همجية أي شعب أو مجموعة من البشر، وهو قطع التيار الكهربائي عنهم وبشكل كامل لمدة ثلاثة أيام عن جميع مرافق الحياة، وتركهم يعيشون تجربة الحياة الخالية من الأجهزة الكهربائية.

Ad

وأعلم جيداً أن ذلك المقياس فيه الكثير من القسوة، وهناك من سيقول لي: وماذا عن المستشفيات، هل ستقطع عنها الكهرباء ويموت المرضى من أجل مقياسك؟ جوابي هو بالتأكيد لن أقبل بذلك، ولكني أعتمد على الحوادث الطارئة مثل موجة الحر التي أصابت الولايات الغربية في أميركا قبل أشهر، وتسببت في قطع التيار الكهربائي عن مدينة كبيرة مثل مانهاتن، وبناء على تلك الأحداث الطارئة أقوم بمتابعة الأخبار وأبحث عن التصرفات التي يمارسها الناس في تلك المدن التي توصف بأنها متقدمة، وأقارنها مع ما يحصل يومياً في دول العالم الثالث الفقيرة، لأجد في النهاية أن البشر هنا أو هناك هم من نفس العجينة إذا ما توافرت لهم الظروف المناسبة للتحضر دفنوا في أعماقهم كل صفات التوحش، والعكس صحيح إذا ما توافرت الظروف المناسبة للتوحش تبخرت في لحظات كل صفات التحضر.

ضمن هذا المؤشر أستطيع القول إن أغلبية الكويتيين أيام الاحتلال العراقي كانوا شعباً متحضراً تحدى جميع الظروف المحفزة للحياة البدائية، وحتى أكون موضوعيا لا أعلم إلى متى كانوا سيبقون على حالهم، ولكنهم بالتأكيد تفوقوا على شعوب أخرى لم تصمد سوى أيام حتى بدأت فيها عمليات السلب وتجارة الحرب التي لا تعرف معنى الإخلاص للوطن، الكويتيون في الغزو وقفوا في طوابير الخبز الأسمر لساعات وساعات للحصول على كيس أو كيسين لم يتأففوا، ولم يتخط صغيرهم كبيرهم، ولا أقواهم أضعفهم، والأجمل أن غير الكويتي كان يتخلل صفوفهم ولم «يرفسه» أحد بحجة أن الكويت للكويتيين فقط.

كان الجار يعمل حارساً دون مقابل لبيت جاره المسافر، ولا يرتاح حتى يتأكد أن جيرانه البعيدون سينامون وبطونهم مليئة بالطعام، وفي الطرقات كان الكويتي يحترم إشارات المرور رغم أنها «عطلانة»، وإذا ما وقع حادث مروري لا تسمع غير جملة «فداك السيارة المهم أنت».

خلاصة القول: الكويتيون تحت الاحتلال كانوا أكثر تحضراً من هذه الأيام، ونحن ننعم بالحرية، إننا اليوم أكثر تطرفاً في تعاملاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين، ونظرتنا إلى مفهوم الحقوق والواجبات تنبع من عقدة التفوق المبنية على أوهام الانتصار الحتمي على كل ما هو مختلف دون عمل أو جهد.

إننا نعيش لحظة تاريخية غاية في الخطورة تتلخص في الشعور بانعدام المساواة، وعند هذه اللحظة تغيب دولة القانون، وتبزغ دولة الطبائع البشرية المتوحشة التي تأخذ حقها بالقوة المفرطة، انظروا حولكم جيداً وتفحصوا كل الحوادث الأخيرة في السنوات الخمس الماضية واسالوا أنفسكم من جديد: هل الكويتيون شعب متحضر؟

الكويت من دون مقياس «شب الليت... طف الليت» تحولت إلى غابة يا ويل الفقير فيها.

الفقرة الأخيرة:

خيراً فعلت الحكومة عندما وأدت لجنة الشباب والرياضة وتركت لجنة الظواهر السلبية تعود إلى الحياة رغم أنها لجنة مؤقتة حالها حال لجنة الرياضة، فهكذا يكون البرهان على حياديتها في ملف الرياضة؟ وما يتبقى هو الرد العملي من كتلة الحضر التي دفعتها الحكومة دفعاً نحو المعارضة، ولايزال بعض أعضائها متمسكاً بخندق العقلانية الذي هو في حقيقة الأمر نفس المكان الموجود فيه الدستور الذي يحمله سمو الرئيس طوال الوقت.