صدق أبوفراس الحمداني حين قال «وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر»، لأن حاجتنا إلى أمثال سامي المنيس باتت ماسّة، ليس داخل التيار الوطني المفكك فقط، بل في حياتنا السياسية كلها... فبعد عقد من الزمان تبدلت أحوال وزاغت قلوب وذاب طعم تيار كامل كان المنيس يمثل رأسه في مجلس 99. في مثل هذا اليوم وقبل عشر سنوات بالتمام والكمال فقدت الكويت والديمقراطية فيها شخصية سياسية نادرة من الجيل المؤسس للدولة الحديثة، إنه النائب السابق سامي المنيس، رحمه الله، الذي غادر الحياة في نفس الموعد الثابت لانعقاد مجلسه العامر مساء كل أربعاء، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة وأدواراً كان يؤديها بصمت أسطوري، ليس أقلها جمع أبناء التيار الوطني الديمقراطي تحت خيمة مصداقيته وقلبه الكبير.

Ad

«بوأحمد» لمن لا يعرفه جسَّد الاستثناء في معادلة تطبيق الأخلاق في العمل السياسي، فلم يفْجر في خصومة أو ينقلب على مبدأ من مبادئه لتحقيق مصلحة شخصية أو انتخابية إلى أن خرج من الحياة بثوب أكثر بياضاً، بعد أن دخل معترك العمل السياسي بثوب أبيض.

لقد صدق أبوفراس الحمداني حين قال «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر»، لأن حاجتنا إلى أمثال سامي المنيس باتت ماسة، ليس داخل التيار الوطني المفكك فقط، بل في حياتنا السياسية كلها، فبعد عقد من الزمان تبدلت أحوال وزاغت قلوب وذاب طعم تيار كامل كان المنيس يمثل رأسه في مجلس 99، هل تصدقون أنه رفض تسليم أوراق استجواب وزير المالية لوسائل الإعلام قبل تأكده من وصولها رسمياً إلى رئيس الحكومة؟ لأنه ليس من «الذوق» أن يقرأه في الجرائد وهو رئيس السلطة التنفيذية، فمن يفعل ذلك اليوم؟

لقد رحل المنيس وارتاح من مشاهدة شخصيات كاريكاتيرية تلعب دور المعارضة في مسرحية هزلية وتمتشق سيوفاً خشبية تجيد استعمالها في العطل البرلمانية، وحين الكشف عن تجاوز جديد تكفهر وجوههم لاعنين كل من يبغي تعطيل قطار التنمية، فلا هم يبادرون إلى المحاسبة وهذا إرثهم، ولا هم يؤازرون غيرهم وهذا واجبهم الدستوري، «بوأحمد» «إفتك» من مشهد المعارضة الكرتونية وهي تصطف خلف الرئيس الإصلاحي كلما دخل قاعة المجلس، وتتزاحم للتغطية على الفساد والمفسدين، «أشكره» بلا خجل أو حياء، «بوأحمد» الله يحبه لأنه لم يعش ليرى إعلام روبرت موردوخ يعلّم الناس الأدب و»الإتيكيت» وفنون مسح الجوخ على أصوله.

لو كان مقعد سامي المنيس هو الهم لما اكترثنا فها هي المقاعد «أكثر من الهم على القلب»، ولكنها خالية من المعارضة التي كان يمثلها «بوأحمد» بعد أن استقر نصفها في الجيب العلوي لسمو الرئيس، والنصف الثاني في الجيب السفلي لـ»راعي الحرشا»، أما المعارضة خارج البرلمان فهي معتلة، فاقدة المبادرة، كثيرة التنائي، مدمنة البعاد، ولو كان العدد أو الوجود فقط داخل البرلمان هو شرط التأثير في مجريات الحياة السياسية لما استطاعت المعارضة الوطنية بأقليتها صنع تاريخها المشرف في حماية المكتسبات الدستورية وثروة الشعب.

إن المرحلة القادمة بكل المقاييس مرحلة مفصلية في تاريخ الكويت، تحتاج إلى وجود صوت قوي ونكهة واضحة للمعارضة الوطنية الديمقراطية، لإعادة التوازن وكبح جماح بعض الأطراف المنفلتة، ففي ظل وجود حكومة مستعدة لفعل أي شيء كي يبقى الحال كما هو، وعلى المتضرر اللجوء إلى الحائط، وفي ظل وجود وزراء طموحهم أكبر بكثير من طموحاتهم، وفي ظل أغلبية نيابية يتيقن معظمها أنه لن يعود إلى مقعده ولو بعد سنة ضوئية، نتذكر سيرة سامي المنيس ونتحسر عليها.

بقي في النهاية أمل كبير في الجيل الجديد الذي رعاه سامي المنيس أن يعيد إلى المعارضة الوطنية قوتها ونكهتها من جديد.

الفقرة الأخيرة: رحمك الله «بوأحمد» فلو نسينا كل أيامك لما نسينا «لزمتك» الشهيرة: «أتمنى أن أكون مخطئاً».