نهاش... لا ألومك
 على الرحيل

نشر في 28-10-2010
آخر تحديث 28-10-2010 | 19:26
 حسن مصطفى الموسوي كان يوما من أيام الصيف الحارة في الثمانينيات حين طرق باب منزلنا في الدسمة، ذهبنا لفتح الباب وإذا به «كامل الأوصاف» أو «نهاش» أمامنا، أراد قليلا من الماء ليسد به عطشه وعطش فريقه في أثناء التصوير بعدما نفد الماء الذي بحوزتهم، لم «يتحلطم» من العمل في ذلك الوقت المزعج من اليوم، بل كان كما عهدناه مبتسما لطيفا في التعامل. هكذا عرفنا الفنان القدير المرحوم غانم الصالح مجدا ومجتهدا ومخلصا في عمله، أدخل البهجة والسرور إلى مئات الآلاف من البيوت سواء في الكويت أو خارجها، وكان مثالا للفنان المحبوب الذي لم نسمع يوما أنه دخل في مشاحنات وترهات بين الفنانين، بل ظل مخلصا لعمله ومن مميزاته أنه أجاد مختلف الأدوار التي أوكلت إليه سواء الكوميدية أو الدرامية، ولم يحشر نفسه في قالب معين كما يفعل الكثيرون اليوم.

 

وبقدر ما يحزننا فقدان علم من أعلام الفن في بلدنا، فإنني لا ألوم الراحل على الرحيل لأنه ببساطة لم يعد في البلد ما يسر الناظرين، فالبلد يسير من سيئ إلى أسوأ، ومظاهر الفساد والدجل والنفاق والتطرف تعم البلاد، ففي بلدنا بات الطائفيون نجوما «يشقون ويخيطون» ويسرحون ويمرحون ويبثون الفرقة في المجتمع بلا رادع، وفي بلدنا أناس ينبشون قبور الناس ويحاولون توزيع صكوك الوطنية كما يشاؤون، وفي نفس الوقت هناك أناس لا يحترمون لا القانون ولا الدستور وباتوا يريدون أخذ حقهم بيدهم، وكأن الديره «فالته»، وربما هي «فالته» بحق مادام الناس باتوا يتعدون حتى على المخافر. وفي بلدنا تؤدي مجرد «خزة» إلى معركة طاحنة تسل فيها الأسلحة البيضاء والسوداء ويسقط فيها الضحايا على لا شيء، وفي بلدنا حرب شوارع يسقط فيها شباب في عمر الورد دون أي حل جذري منذ زمن طويل.

 

وفي الوزارات معارك طاحنة من أجل المناصب لا من أجل العمل، تستخدم فيها جميع أساليب الحفر والغدر وكأن الدولة مؤقتة ولا يهم أن يستلم زمامها مسؤولون أكفاء يستطيعون محاربة الفساد، وتحسين الأداء والخدمات لتأمين مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

 

وفي بلدنا حكومة ضعيفة خاضعة لأصوات الغوغاء، فتعاقب الملتزمين بالقانون وتكافئ من ذهب لينقلب على قوانين بلده عبر المنظمات الخارجية ولمصالح شخصية بحتة، وما قضية الرياضة عنا ببعيد. وفي بلدنا نواب باتوا ينافسون الفنانين في التمثيل والشهرة. فلا عمل لديهم سوى البحث عن المايكروفون والندوات ليلا من أجل الـ(رزه) والظهور في التلفزيون، ومنهم متحدثون عن الفساد وهم أُسّه، ومنهم من يهاجم التنفيع في توزيع المناصب وهم أنفسهم يتوسطون لأقاربهم للقفز على الكفاءات، مثل ذلك النائب الذي «ضبط» شقيقه في منصب مهم ضاربا عرض الحائط بكل الكفاءات الذين يسبقونه خبرة وأقدمية.

 

وفي بلدنا وسائل إعلام همها تفتيف المجتمع وتستغل بعض الأحداث لتضخيمها وتجييرها لأهداف مشبوهة، خذوا على سبيل المثال ذلك المذيع الذي استغل كلاما قيل في اجتماع ديوانية الصقر (بغض النظر عن مدى صحته) من أجل مهاجمة طيف كامل من الشعب وبألفاظ شوارعية وغير لائقة، وباسم أطياف أخرى وكأنه متحدث رسمي عن تلك الأطياف، وأنا على يقين أنه ما كان ليقول هذا الكلام دون الحصول على ضوء أخضر من فوق.

 

في بلدنا مصائب كثيرة لا يسعنا ذكر جميعها لضيق المساحة، ومع أن بعضنا يدعون دائما إلى التفاؤل فإني سأقول «آسف» لأن التفاؤل لا يأتي من العدم بل من مظاهر تدعو إليه.

back to top