تؤكد التربوية والناشطة خولة العتيقي أن المرأة فشلت في إدارة المناصب القيادية في الدولة، مشيرة في هذا الصدد إلى تجربة وزارة التربية في الكويت، وموضحة أن القوانين الكويتية تنصف المرأة إلى حد كبير، ما حدا بعض نائبات مجلس الأمة على المطالبة بحقوق في غير موضعها كالدعوة إلى تخصيص «كوتة» 30% من المناصب القيادية للنساء، الأمر الذي يتنافى مع دعاوى المساواة بين الجنسين. تقول العتيقي إنه لم يبق سوى القليل ويطالب الرجل بحقوقه، ذلك لكثرة المزايا التي تحصل عليها النساء، معتبرةً أن الدين الإسلامي منح المرأة حقوقها، «إذ لم نسمع في عهد الرسالة أو الخلفاء الراشدين ظلماً للمرأة، إلا أن ما يحدث الآن في بعض الدول الإسلامية من ظلم لها عائد إلى الأعراف الاجتماعية والتقاليد التي تجعل النساء أنفسهن يرضين بواقعهن، وإن كان أليماً، ويرفضن حقوقهن السياسية».

Ad

أربع نائبات في مجلس الأمة، ماذا قدّمن لقضايا المرأة؟

كنت إحدى الداعيات إلى دخول المرأة البرلمان، وحاربت من أجل نيل المرأة حقوقها. بالنسبة إلى النائبات في البرلمان لدي رؤية تختلف عن أولئك الذين يقولون: «لنمنح النائبات فرصة، ومزيداً من الوقت». وكتبت مقالاً في إحدى الصحف المحلية بعنوان «عطوهم فرصة». لكن، إذا منحنا الفرصة لكل مسؤول كبير أو وزير نعيّنه في الدولة، فسيمضي عمرنا هباء. فالدول المتقدمة تبدأ دائماً من حيث انتهى الآخرون. ومن المهم أن يتسلم المرء المنصب ولديه رؤية وتصوّر، عن المهام الجديدة التي سيتولاها.

تحدّثت هؤلاء النائبات في حملاتهن الانتخابية عن برامج عمل، وانتقدن سلوكيات خاطئة كنّ يرينها في البلد، وبرأيي أن شهرين فقط من فترة التأقلم مع الوضعية الجديدة، كافيان لانطلاق النائبات نحو العمل، ونحن الآن قضينا سنة برلمانية كاملة.

أداء النائبات الأربع للأسف مُحبط. وذلك ليس رأيي فحسب بل رأي نساء كثيرات ألتقي بهنّ في الكويت. كان متوقعاً أن يكون أداؤهنّ مميزاً، وتكون لديهن استقلالية في العمل والأداء. الذي حدث أن هؤلاء النائبات أصبحن الأسبق إلى تأييد الحكومة، علماً بأن الأخيرة ليست دائماً على خطأ، فأحياناً يكون الوقوف معها أمراً صحيحاً، لكن الملاحظ أنهن يوافقنها الرأي في جميع الأحوال. وذلك أمر أدهش الشارع الكويتي وصدمه في الوقت ذاته. بالطبع، بالنسبة إلى الحكومة هذا مكسب لها، وضمنت أصواتاً دائمة داخل المجلس.

هل ثمة تمايز في وقوف هؤلاء النائبات مع الحكومة أم أن مواقفهن متطابقة؟ لنقارن مثلاً بين رولا دشتي وأسيل العوضي!

رولا دشتي أكثر صراحة ووضوحاً في الوقوف مع الحكومة، من الأخريات. أما أسيل العوضي فإن موقفها الوحيد الذي بدا مختلفاً حين امتنعت عن التصويت في استجواب وزير الداخلية. وأنا لست معها في هذا الموقف، لأنه ليس من حقّها أن تمنتع، فناخبوها الذين صوتوا لها كانوا يأملون منها أن تتخذ موقفاً محدداً في مسألة مهمة ومصيرية كهذه، فهم لم يصوتوا لها كي تمتنع عن التصويت في نهاية المطاف. وكان الأجدر بها الرجوع إليهم وأخذ رأيهم في الاعتبار.

حقّقت الكويت تقدماً كبيراً من حيث تعليم المرأة، ولكن الملاحظ أن الوظائف القيادية في الدولة غير متاحة للنساء غالباً، هل ثمة تمييز بين المرأة والرجل في هذه الوظائف؟

حتى وقت قريب كان الوضع في الكويت تقليدياً، ثم انتقل بعد ذلك إلى التمييز. صحيح أن المرأة متعلّمة، واجتهادها وظيفياً قد يفوق الرجل، لكننا مررنا بتجارب، أحدثت نوعاً من الردة، تحديداً من المرأة ضد المرأة فتجربة الدكتورة معصومة المبارك التي قضت فترة قصيرة في الوزارة، لم تأخذ مداها الكامل. ولدينا مثال واضح في وزارة التربية، حين سيطر عليها العنصر النسائي، قبل ذلك كان الوضع مستقراً، وإن لم تبلغ القمة فلا بأس بها، ولكن للأسف الفساد الإداري، والتأخر الذي وصل حد الردة والتخلّف لم نبلغهما سوى في عصر النساء. فنورية الرومي تولت أمور الوزارة لدورتين متتالين ثم جاءت من بعدها موضي الحمود، ومنذ ذلك الحين والتعليم في انحدار شديد. هذه التجارب تجعل الناس ينظرون إلى المرأة على أنها فاشلة في المناصب القيادية. وثمة استفتاءات أجرتها جميع الصحف، وحتى الصحف الأجنبية نجدها حين تطرحاً سؤالاً على العيّنات المختارة من النساء: «هل تفضلين مديرك رجلاً أم امرأة؟» نجدهن جميعاً دون استثناء يفضّلن المدير الرجل، لأنه يتفهم أوضاعهن الاجتماعية أكثر من المرأة الرئيسة. مع أنه من المفروض أن يحدث العكس، لذلك أصبح الشارع الآن مشحوناً ضد المرأة، ومحبطاً من تجربتها في الوزارة والبرلمان. لا أحمّل الحمود المسؤولية لأنها جاءت على تركة ثقيلة جداً، فهي أكاديمية قديرة، ولكن برأيي نحن نحتاج الى فصل وزارة التربية عن وزارة التعليم العالي. فتظل الحمود وزيرة للتعليم العالي كونها أكاديمية، ونأتي بوزير آخر لوزارة التربية.

كنت أتوقّعك مدافعةً عن القيادات النسائية في الوزارة!

ليس ثمة ما يستحق المدح والثناء. شخصياً، اشتبكت في معارك مع نورية الصبيح لتطوير التعليم. وثمة شخصيات نسائية رشحت في مناصب مهمة لتطوير استراتيجيات التعليم، وهي لا تملك المؤهل الكافي، (إحداهن لا تستطيع التحدّث بلغة عربية فصيحة). مثل هؤلاء ماذا يضعن من استراتيجيات لتطوير التعليم؟

يقال إن المنطقة العربية محمَّلة بإرث ثقافي وديني، يدعو إلى اضطهاد المرأة وظلمها، ما مدى صحة ذلك؟

لم تكن المرأة مضطهدة في عهد الرسالة السماوية، ولا في عهد الخلفاء الراشدين، ولكن بعد ذلك تعرّضت للظلم وأُقصيت عن المشهد الاجتماعي العام في ظروف سياسية معينة، ثم أصبح بعد ذلك هذا الاضطهاد إرثاً ثقافياً ودينياً، لفترة طويلة. في بدايات القرن العشرين وتوارد حركات تحرير المرأة مع الصحوة الدينية، حدثت تغييرات في وضع المرأة، والآن أخذت موقعها، ولا مجال للرجوع إلى العهد السابق، وأي دولة الآن تريد أن تظهر بمظهر حضاري واجتماعي متقدم، تولي اهتماماً لموضوع المرأة.

ما زال بعض المناطق العربية يشهد اضطهاداً للمرأة، وأحياناً يكون ذلك ناجماً عن الأعراف الاجتماعية السائدة، ويظهر ذلك جلياً في مناطق عدة في الكويت، إذ حين كنا نقصدها للمطالبة بحقوق المرأة السياسية كنا نجد نساء لا يرغبن في الحقوق السياسية، وهن مقتنعات بالحال التي يعشنها اليوم، بل وينتقدن زميلاتهن الباحثات عن الحقوق السياسية، ويقلن لهن: «لماذا تزاحمن الرجال؟». من الصعب تغيير مثل هذه القناعات، ولكن ثمة مقولات عفى عليها الدهر، وما زال يرددها الناس، كقولنا: إن المرأة مضطهدة أو مظلومة وغير متساوية مع الرجل. ما نراه الآن على النقيض من ذلك، فلم يبق سوى القليل ومن ثم يبدأ الرجل بالمطالبة بحقوقه. أصبح هناك تعدٍّ واضح على حقوق الرجال وتمييز ضدهم، والدليل أن لجنة المرأة في مجلس الأمة تطالب اليوم بـ{كوتة» 30% للنساء في المراكز القيادية.

شهد أخيراً الخطاب السياسي الكويتي في البرلمان تراشقاً نيابياً نيابياً، وعبارات وألفاظ شاذة، ما سبب ذلك؟

لا أرى غرابة في ذلك، فما يحدث في الكويت يحدث في جميع أنحاء العالم. نقرّ بأن ثمة احتقاناً في المشهد السياسي، لكن الإعلام يؤدي دوره في إبراز ذلك. في بعض الدول الأوروبية، لا أحد يعلم ما يقوله البرلمانيون، أو يناقشونه وعدد محدود جداً يتابع الأخبار السياسية، فالناس هناك مشغولون بحياتهم. أما في الكويت فينصبّ اهتمامنا على البرلمان، ونظن بأننا انتخبنا ملائكة وليسوا بشراً لهم ميولهم، وشخصياتهم، وأفكارهم الخاصة بهم. ونتوقع منهم أن يكونوا مهذّبين، وفي خدمتنا دائماً، ونتناسى أن الحياة نفسها غير مهذبة في أحيان كثيرة.

ما يحدث مجرد مناوشات، فعلى الأقل الحال في الكويت مختلفة عن بعض الدول في شرق آسيا والتي تصل الى حدّ الضرب بالأيدي وبالمقاعد. قد يكون للحكومة دور في تحريك بعض النواب، وقد يخرج النواب عن طبيعتهم. عموماً، نتمنى ألا تُستعمل في الخطاب البرلماني ألفاظ ذات نفس تحقيري، أو طائفي. وأحياناً من الأفضل أن تطفو هذه الأمور على السطح أفضل من أن تبقى مكبوتة.

لكن هذه الطريقة في التخاطب قد تثير نعرات وتولّد اصطفافات معينة خلف هذا النائب أو ذاك، ما رأيك؟

هذا الاصطفاف الذي تتحدث عنه موجود في الكويت منذ القدم، فللقبائل مثلاً وجهاؤها ونوابها، وكذلك بقية التيارات، وهذا التناوش والانحطاط في اللغة أمر طبيعي للانحطاطَين السياسي والأخلاقي في المجتمع. سابقاً، كنا نتحدث عن توحيد المصطلحات، ولكن ما نحتاجه اليوم هو تهذيبها. سابقاً، نادراً ما كنا نسمع في المنزل ألفاظاً نابية أما اليوم فترى الصبية في الشوارع والأسواق ينعتون بعضهم البعض بألفاظ قبيحة، والسؤال: من أين تعلم هؤلاء هذه الألفاظ؟

يقول كونفوشيوس إن «الفساد اللغوي يؤدي إلى الفسادين الاجتماعي والسياسي»، لكن في عصرنا الراهن انقلبت الأمور وأصبح الفساد يفسد اللغة. لست أبرّر لهؤلاء النواب ألفاظهم، وأرى أن على ممثل الأمة أن يكون مثلاً وقدوة. فالنواب مشرّعون ولديهم آليتهم الخاصة في التعامل مع الحكومة. ونحن الشعب ينبغي أن يكون لنا رأي، ولكن ليس بهذه الطريقة المبالغ فيها. إذ إن المعروف أن الحكومة تشرّع، والبرلمان يراقب، ويتناقش الطرفان، وينتهي الأمر إلى صدور قانون. المفروض أن يكون هذا القانون في صالح الشعب، لكن هذا الاهتمام بالبرلمان الذي نراه في الدواوين الكويتية أصبح تدخلاً في عمله، ويجعلنا نعيش حياة غير صحية.

برأيك، ما سبب اهتمام الكويتيين بشؤون البرلمان وعمله؟

الفراغ والترف المادي سببان رئيسان، لكن ربما ثمة تجار ورجال أعمال ترتبط مصائر أعمالهم بقرارات مجلس الأمة.

يقال إن المرأة الكويتية غائبة عن المجالين الفكري والثقافي، ما ردّك؟

ينطبق هذا الأمر حتى على الرجال، لأن ليس في الكويت أعداد كبيرة من البارزين في المجالين اللذين تحدّثت عنهما. الناس عندنا مشغولون بالسياسة ولا مجال لقضايا الفكر، وحتى لو وُجدت فإنها تطرح بشكل سطحي. لنلاحظ المجلات والصحف اليومية في الكويت مثلاً نجد أنها تخلو من الصفحات الثقافية إلا ما ندر، والتي تحوّلت إلى الشعر الشعبي. كذلك، ليس في الكويت حوار ثقافي أو صالونات أدبية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وتراجع الاهتمام بالثقافة والفكر يعود إلى الزمن الراهن، وموجة الانشغال بالتكنولوجيا الحديثة ومنتجاتها، ولهاث الناس وراء المادة. أصبحنا للأسف، نتناول الأخبار الثقافية بلغة عامية هشّة وضعيفة، وطغيان العامية يؤدي إلى ضياع هوية اللغة.

ما رأيك في مستوى التعاطي مع اللغة العربية راهناً؟

اللغة العربية الآن تُقتل وتُذبح في وسائل الإعلام، وأصبحنا نسمع كلمات عجيبة غريبة تُنحت يومياً. على المستوى العالمي، نرى الآن حركات عالمية تسعى إلى الحفاظ على لغاتها، وخصوصاً الشعوب التي تتمتع بلغات عريقة. فرنسا اليوم، تحيي لغة قديمة لديها نسيها الناس وتعلِّمها في المدارس، كذلك في آيرلندا واسكتلندا.

يقول البعض إن تراجع اللغة العربية لصالح اللغتين الإنكليزية والفرنسية مثلاً يعود إلى صعوبة العربية، وهذا الأمر غير صحيح. السبب الحقيقي أننا نعيش حالة انهزام ثقافي من الجوانب كافة، فكل ما يأتينا من الغرب مدهش ونحتفي به. قد ترى أحياناً امرأة بسيطة مادياً وتعليمياً تصرّ على إدخال أبنائها المدارس الأجنبية وتحدّثهم بالإنكليزية في الأسواق والجمعيات، وقد تكون لغتها خاطئة، وعلى رغم ذلك تفاخر بالتحدّث بها.

لقد أصبحت موضة أن يقول أحد الشباب «أنا لا أحب العربية»، أو إن اللغة العربية صعبة. الطريق التي يتبعها العرب الآن في التعامل مع العربية لن تؤدي إلى حفظ اللغة، بل إلى ضياعها، وأملنا الوحيد في الله تعالى وهو القائل: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».

هل للتعليم دور في حفظ اللغة أو ضياعها؟

كان الطالب سابقاً يتعلّم بطريقة منهجية معتمداً على التسلسل التاريخي، أما اليوم فنحن نلهث وراء التطوير، ونقول للمعلم: «لا تشر إلى القاعدة، ودع الطالب يكتشفها». قد تكون هذه إحدى طرق التعليم، ولكن لا ينبغي الاستغناء عن القاعدة الإملائية والنحوية. وللأسف الجامعات المحلية تدرس كثيراً من المواد باللغة الإنكليزية. إضافة إلى أن الأخيرة أصبحت الآن لغة العلم، إذ نحن شعوب مستوردة للتكنولوجيا، وليس مستغرباً أن نهتم بلغة الشعوب المنتجة لها. عموماً، يتحمّل الإعلام المسؤولية الكبرى في ضعف اللغة.

ثمة من يقول إن الحريات الشخصية في الكويت آخذة في التراجع، بسبب التضييق على الحفلات ووضع ضوابط على ملابس الفتيات في الجامعة، ما رأيك؟

ثمة مقولة شهيرة مفادها: «حريتك تنتهي عند حرية الآخرين». لدي رأي مختلف في هذا الجانب، وهو أن علينا توعية الأسرة والمجتمع، وألا نتدخّل في شؤون الأفراد الخاصة. لكن بالنسبة إلى ملابس الفتيات في الجامعة، أرى أن ثمة مظاهر تتجاوز حتى مفهوم الحرية الشخصية، ففي إحدى المرات ذهبت إلى جامعة الكويت لإلقاء محاضرة، تأملت المشهد، ورأيت في الجامعة ليس طالبات وإنما فتيات ذاهبات إلى حفلة عرس. أصبحت فتياتنا يهتممن بالمظهر والموضة أكثر من اهتمامهن بالدراسة والتعليم. والواحدة منهن تحمل حقيبة يدوية ربما يبلغ ثمنها ألف دولار أميركي، وترتدي أزياء باهظة، وهذه الأمور تتنافى مع مجتمع الطلبة. لذلك أرى أن التدخّل في اللبس الجامعي ضرورة قصوى، لأننا وصلنا إلى مرحلة لا نتحدث عن طالبات، وإنما فتيات صغيرات ذاهبات إلى حفلة. وهذا منظر يؤذي الذوق العام. فالاهتمام بالتبرّج والزينة منذ الساعة السابعة صباحاً ليس حرية، وإنما قلة ذوق.

ولكن ثمة جوانب أخرى للحريات!

أرى أن المساس الحقيقي بالحريات يحدث عندما تكمِّم الحكومة الأفواه، وعندما يحجر على الفكر، أو إبداء الرأي. لكن مسألة الطالبات في الجامعة لا تدلّ على تراجع الحريات.