في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 1992 ظن الكثيرون أن جورج بوش الأب سيعود رئيسا بسهولة نظرا لنجاحه في حرب تحرير الكويت وانتهاء الحرب الباردة في عهده، لكن المرشح كلينتون آنذاك حول مسار الحملة بعيدا عن السياسة الخارجية إلى الاقتصاد الذي كان يعاني ركودا في ذلك الوقت عبر عبارته المشهورة: "إنه الاقتصاد يا أحمق"، أي أن الاقتصاد هو العامل الرئيس لحسم المعركة وليست السياسة الخارجية.

Ad

أما عندنا في الكويت فهناك العديد من الأمور التي يصنفها المراقبون كخطر على كيان الدولة، منها التهديدات الخارجية، أو انتفاضة شعوب الشرق الأوسط، أو استمرار المجلس والحكومة في الصرف المجنون ونهب ميزانية الدولة على حساب الأجيال القادمة. لكن في اعتقادي أن أخطر ما يواجهنا كدولة وشعب– خاصة مع وضعنا الجغرافي الحساس- هو التفكك الداخلي الذي تغذيه عدة أمور أبرزها الفكر المتطرف.

فالفكر المتطرف موجود منذ مئات السنين، لكنه نشط بشكل أكبر منذ قرن من الزمان، وخاصة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي مع الغزو السوفياتي لأفغانستان. فرعته أميركا عبر مخابراتها وبدعم من أموال البترودولار من الخليج، فسهلوا تجنيدهم للقتال وزودوهم بالأسلحة وصواريخ ستينغر حتى كان من سخرية القدر أن أحد رجال الـ(CIA) كان يتحدث معهم عن أهمية الجهاد وهو واقف أمام مروحيته على أحد الجبال.

اندحر الاتحاد السوفياتي لكن كانت الولايات المتحدة هي المنتصر الحقيقي لأنها أدخلت أفغانستان بعدها بحرب أهلية بعدما رمت بأدواتها لانتهاء مهمتها، لكنها قامت بعد ذلك برعايتهم من جديد عبر دعم حركة طالبان بالتعاون مع المخابرات الباكستانية وباعتراف الرئيس السابق برويز مشرف في مذكراته، واستغلت فكرهم المتطرف الأحمق من أجل إدخال أفغانستان في حرب مع إيران. فشل المخطط لكن دخلت أفغانستان في العصر الظلامي، فاستبيحت الحرمات وشيع القتل وخربت البيوت وهدمت الآثار، فقدموا نموذجا متخلفا ومسيئا للإسلام الذي يدّعون رفع رايته، واستمروا بهذا المنهج إلى أن احترقت ورقتهم بعد غزوة مانهاتن بعدما "رجع الدجاج إلى الحظيرة" كما قال "مالكوم إكس" يوما في تعليقه على اغتيال الرئيس جون كنيدي.

فحولوا وجهتهم إلى العراق لا لمحاربة المحتلين الغزاة كما ادّعوا بل لتفجير أنفسهم بالمسلمين العراقيين حتى يتغدوا مع رسول الله في الجنة! وهذا المنطق التافه ليس بغريب لأن الخوارج كانوا يوما يقتلون النساء ويبقرون أرحامهن، لكن في نفس الوقت يعترضون على أكل تمرة تسقط من نخلة مجهولة المالك! وتماما مثلما يصفون الآن اليهود بأحفاد القردة والخنازير وهم لم يطلقوا رصاصة واحدة باتجاه الصهاينة، بل على العكس أساؤوا إلى القضية الفلسطينية بحماقاتهم ومنطقهم الأعوج، وكان آخرها إعدامهم وقطعهم رأس الإيطالي الإنسان فيتوريو أريجوني المرابط في غزة تضامنا مع أهلها ضد الحصار الظالم. كان ذلك الإنسان يقضي وقته بالإسعافات أثناء القصف الصهيوني على غزة قبل عامين ونصف حتى ينقل ما يجري للعالم، وضمن مقالاته في كتاب أسماه "إبق إنسانا" ووهب إيراده إلى منظمة فلسطينية معنية بمساعدة الأطفال الذين كانوا في الحرب. إن هذا الإنسان المسيحي لهو في اعتقادي أشرف بمليون مرة من قاتليه ومن أمثالهم الذين شوهوا الدين واستعملوه لتبرير إجرامهم.

فأينما يبحث الغرب عن حمقى يخدمون مصالحه تجد هؤلاء جاهزين لأداء ذلك الدور، وأبرز دليل ما يحدث الآن من استهداف للمقاومة الإسلامية في لبنان باستخدام محكمة صهيونية مملوءة برجال المخابرات وأصدقاء إسرائيل، فتجدهم يؤيدون هذا الاستهداف ويخدمون مصالح أعداء الأمة ولا حرج عليهم في ذلك لأنهم وببساطة لا يتحملون أن يجدوا نموذجا إسلاميا ناجحا مقابل نموذجهم الفاشل المتخلف في أفغانستان. فأينما وجدوا تجدهم عالة على الدولة وتهديدا لأمنها الداخلي ومصدرا لإشاعة الفتن وتفكيك المجتمع، وما حدث في مخيم نهر البارد في لبنان، وما يحدث الآن من فتن طائفية من جراء أفعالهم في مصر مما يهدد بتبديد مكاسب الثورة إضافة إلى ما حدث في بلدان أخرى خير دليل على ذلك. وأرجو ألا يفوت الوقت لنقول حين لا ينفع الصوت: "لقد كان حقا الفكر المتطرف".