الرئيس والديمقراطية!

نشر في 13-11-2012
آخر تحديث 13-11-2012 | 00:01
 طالب الرفاعي بالنظر إلى وجودي في ولاية «أيوا» الأميركية محاضراً ومشاركاً في «برنامج الكتابة الإبداعية العالمي» لجامعة أيوا، من 25 أغسطس حتى 14 نوفمبر، فقد أتيحت لي فرصة معايشة ورشة الكتابة الإبداعية، وورشة الترجمة، والتواصل مع طلبة الدراسات العليا، وتقديم المحاضرات، والقراءة في أكثر من مكتبة، والسفر لتقديم قراءات في «سان فرانسيسكو»، و«شيكاغو»، و«واشنطن»، و«نيويورك»، لكن فرصة أخرى أتيحت لي، لم أكن أفكر بها، وهي متابعة سباق الرئاسة الأميركية بين الرئيس «بارك أوباما» والمرشح الجمهوري «ميت رومني».

متابعة سباق الرئاسة من خارج أميركا شيء، ومعايشة مجرياته من الداخل شيء مختلف تماماً. بداية نحن، وأقصد عموم الشعوب العربية، ننظر إلى الرئاسات الأميركية بما يتصل بقضايانا المصيرية، وتحديداً قضية فلسطين، وكذلك سير العملية الديمقراطية والحريات. لكن على أرض الواقع، فإننا غائبون تماماً عن سباق الرئاسة إلا القليل النادر، وفي هذا القليل النادر، فإن الأمور واضحة للرئاسة الأميركية، بوقوفها إلى جانب إسرائيل قولاً واحداً، تبقى الفروقات بدرجة اقتراب هذا الرئيس أو ذاك من تل أبيب!

ما يلفت النظر في سباق الرئاسة الأميركية، هو الجهد الخارق الذي يتوجب على الرئيس ومنافسه القيام به لبيان مواقفهما من أهم القضايا التي تهم المواطن الأميركي، وعلى رأسها الإبقاء على أميركا بصفتها الدولة العظمى الأولى في العالم اقتصاديا وعسكرياً وسياسياً، وكذلك الضرائب، والبطالة، وتوفير فرص عمل جديدة، وتطوير العملية التعليمية، وزيادة الرعاية الصحية. وهذا يتطلب من كلا الطرفين القيام بسفر، يكاد يكون يوميا، للتنقل من ولاية إلى أخرى، وعقد اللقاءات المباشرة مع الجمهور، ومحاولة إقناعه بوجهة النظر التي يتبناها المرشح.

في الموجهات التي تعقد بين الرئيس ومنافسه، تُحدد العناصر التي ستُناقش في المواجهة، ويقوم كل طرف بطرح أفكاره والدفاع عنها، بكل شفافية وصدق وموضوعية واحترام، ويقوم الطرف الثاني بدحض الحجة، لكن ليس بالصراخ والتخوين والسباب والتقليل من شأن الآخر، ولكن كأن يقول المرشح «رومني» للرئيس «أوباما: «هذا ليس صحيحاً يا سيادة الرئيس»، و«هذا لم يتحقق على أرض الواقع يا سيادة الرئيس» ويرد عليه الرئيس: «أنت تتكلم دون إثبات»، و«هذا الكلام من باب الدعاية الانتخابية وليس صحيحاً، ولن تتمكن من تحقيقه».

متابعة المواجهات الرئاسية، تقدم درساً كبيراً ومهماً لمن يريد السير على طريق الديمقراطية، فالرجلان يتصافحات بابتسامة واحترام في بداية المواجهة، ويجلسان قرابة الساعتين في نقاش حاد وصريح، وينهضان ليتصافحا باحترام وبوجه مبتسم.

يوجد لكل مرشح مخيم يعمل على مدار الساعة، بموقع إلكتروني يُحدّث على مدار الساعة، راصداً كل حركة يقوم بها المرشح، وبالتالي، فإن مخيم الرئاسة هو خلية نحل تشكل دعماً لوجستياً مهماً للمرشح، بما يجعل المرشح قادراً على تقديم الصورة الأجمل عن نفسه وبرنامجه. ويكون مستعداً لمواجهة أي سؤال، ويكون مسؤولاً عن كل أفعاله السابقة، طوال حياته، وعليه في كل هذا أن يبدو متسامحاً ومتجاوباً وإنسانياً، فغلطة واحدة، وربما غير مقصودة، قد تكلفه كرسي الرئاسة.

في الليلة النهائية لسباق الرئاسة، مساء الثلاثاء الفائت، كنتُ في واشنطن، وحضرت دعوة، ضمن دعوات كثيرة تقيمها بيوتات ونواد كثيرة، حيث يجتمع العديد من الناس من كل الحزبين، الديمقراطي والجمهوري لحضور حفل عشاء، والاستمتاع بمشاهدة مجريات اللحظات الأخيرة من الانتخابات عبر شاشات كبيرة، وكل هذا يجري في جو حبي تملؤه الابتسامات والأحاديث اللطيفة، وتستمر هذه الحفلات حتى إعلان الفائر والاحتفال ودياً بذلك، ومن ثم ينصرف كل إلى شأنه.

سباق الرئاسة الأميركية درس في الديمقراطية واحترام الآخر يستحق الوقوف أمامه.

back to top