في الخوف الناس هم الناس قديماً وحديثاً، وعند الخوف الممزوج باليأس يميل الناس إلى القبول بأي وضع يضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار، وهم من أجله مستعدون للتضحية بكل الموروثات طالما فقدوا القدرة على الحفاظ عليها.

Ad

هنالك نوع خاص من الخوف يعرفه أهل الدراية والقراءة، وهو الخوف من المستقبل عندما يتلمسون باكراً مسارات الأحداث ومآلاتها الحتمية، نراهم في نطاقهم يقرعون الأجراس في الأسواق محذرين، عسى أن يتسلل صوتهم إلى آذان الباب العالي أو ينتفع "العامة" بكلامهم، فيحتاطون ويحترزون من قابل الأيام، ولكن التاريخ غالباً ما يذكر أن السلاطين تصلهم رسائل الحكماء منقوعة بحسد الحُجاب و"العامة" المشغولين بقوت يومهم.

عندما كانت جحافل المغول تبتلع شمال الصين ومملكة خوارزم وبلاد ما وراء النهر وخراسان وفارس، كان أهل بغداد ودمشق وحلب والقاهرة يعيشون حياتهم الطبيعية، وخليفة المسلمين المستنصر بالله العباسي يداعب الحمام، وتحت تأثير الخوف والوهن ظن المستنصر أن الهدايا والدراهم ستصرف خطر هولاكو عن بلاده، ولكنه أخطأ التقدير ووضع داخل جلد بقر، ويقال لفّ داخل سجادة، وضرب حتى الموت، وبقية القصة الدموية في بغداد وأهلها يعرفها الجميع. الخوف والذعر عم أرجاء بلاد الشام التي لم يكن حال أمرائها الأيوبيين أفضل من خليفتهم المقتول، فبعضهم "تعاون" مع هولاكو، وبعضهم هرب مثل ملك دمشق الناصر يوسف الذي ترك أهلها يواجهون مصيرهم، فما كان منهم "تحت تأثير الخوف" إلا أن سلموا دمشق لهولاكو تجنباً لمصير شبيه بالمجازر التي وقعت في حلب. الخوف هو الخوف هنا وهناك، لا يعرف ديناً أو مذهباً أو أي تصنيف، عندما يختفي العقل وتتحلل أدوات القوة في تطبيق العدل والحزم، تنفرط حبال الدول وتتسع الفراغات التي يطمع الطامحون لملئها، في الأندلس ضحت "الرعية" بثلاثة قرون ويزيد مع بني أمية عندما اشتعلت الفتنة بين أبناء العمومة، يباتون على خليفة ويصحون على جديد جلس مكانه على سرير الخلافة، حتى جاء ذلك اليوم الذي تقاسم فيه الولاة الأقوياء أجزاء الأندلس، وأصبح لكل واحد منهم لقب وديوان وحاشية وجيش خاص. يقول ابن خلدون في المقدمة "إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق"، هنا يستلزم الأمر قليلاً من التأمل، فالتاريخ ليس مجرد سرد لأحداث الأيام الغابرة والشخصيات الراحلة، بل تكمن داخل تفاصيله الكثير من المتشابهات والقوانين التي تنتجها طبائع البشر الثابتة، تختلف الأسماء والأماكن والتفاصيل، ولكن يبقى الجوهر متشابهاً مهما تطاول الزمن وامتد: السلطة، الخوف، السقوط قبل السقوط، الطماعون، المال، المتزلفون، الحكماء، الشجاعة، الواهنون، الأغبياء، المحظوظون، المجد، الخونة، المخلصون... إلخ.

 الوضع أشبه بحالة من التناسخ التاريخي الذي يحتاج إلى النظر والتحقيق حتى يستفيد الحاضر من الماضي.

في الختام عندنا الناس في الكويت خائفون من الحاضر والمستقبل، ولا يريدون غير الاستقرار والعبور من مرحلة "الأصوات" إلى مرحلة "التصويت"، لقد أتينا بآسيا ونمورها وتاريخها الطويل في التحديث والحداثة، وأول درس تعلمناه منهم هو أن الوقت ثمين والدقيقة التي تمضي لا تعود، فإلى متى نحن واقفون؟