بدأ العد العكسي منذ يومين وبات مؤكداً أن توجيه الضربة العسكرية التي ازداد تلويح الولايات المتحدة بها في الآونة الأخيرة غدا تحصيل حاصل، اللهم إلا في حالة افتراضية واحدة، وهي أن يسارع الروس إلى حلٍّ عاجل، بضمانات دولية، وباستعداد بشار الأسد للتنحي فوراً وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية تتولى شؤون البلاد كلها وفقاً لما هو متداول في مجال الإعداد لـ"جنيف 2"، وإلى حين أنْ تكون هناك إمكانية فعلية لإجراء انتخابات حرة وديمقراطية تشريعية ورئاسية.

Ad

إنَّ هذا هو الاستثناء الوحيد، وهو استثناء افتراضي لا يمكن الجزم بتحقيقه، نظراً لأن هذه العقلية التي تحكم سورية عقلية صبيانية مراهقة غير مسؤولة، وليس لها القدرة الواقعية على تقدير عواقب الأمور بصورة صحيحة، وما عدا ذلك فإن الضربة العسكرية باتت قادمة لا محالة، وأن المسألة في هذا المجال غدت مسألة ساعات فقط، وعلى أبعد تقدير مسألة أيامٍ قليلة.

كلُّ شيءٍ غدا جاهزاً حتى الإثباتات التي تدين هذا النظام المغامر الانتحاري باستخدامه للأسلحة الكيماوية يوم الأربعاء الماضي وقَتْلِ كل هذه الأعداد الهائلة من أطفال شعب من المفترض أنه شعبه، فإنَّ الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين قد حصلوا عليها بعد ساعات من وقوع هذه الجريمة، ولذلك فإنهم ليسوا بحاجة إلى تحقيقات فرق التفتيش إلا من أجل التوثيق، ومن أجل المزيد من الإثباتات الدولية الرسمية التي هي في حقيقة الأمر شكلية وإجرائية فقط لا غير.

الآن هناك "سيناريوهات" متداولة كثيرة حول طبيعة هذه الضربة وأيّ أهداف ستشملها، فالأمور الأخرى يبدو أنها غدت محسومة، وأن ما سيتم سيكون بلا حاجة إلى أي قرار دولي لا من قِبل مجلس الأمن ولا من قِبل غيره، فهناك تجربة كوسوفو المعروفة، حيث بادر حلف شمال الأطلسي في عام 1999 إلى تلك الضربات العسكرية الحاسمة بحجة أن ما تقوم به صربيا يهدد أمن وسلامة دول هذا الحلف، وهناك الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 ضد العراق بمساندة ومشاركة تحالف دولي مثله مثل هذا التحالف الدولي الذي يجري تشكيله الآن ضد سورية.

وما تجب الإشارة إليه هنا هو أن المسائل في مثل هذه الحالات ليست مسائل قانونية، بل مسائل سياسية، والواضح أنه تم حسم الأمور السياسية المتعلقة بهذه الضربة العسكرية المرتقبة التي غدت، إنْ لم تكن مسألة ساعات فقط فهي مسألة أيام قليلة، وما يؤكد هذا أن الروس الذين كانوا يزبدون ويرغون ويلوحون بقبضاتهم في الهواء قد بادروا، عندما أدركوا مدى جدية ما يجري، إلى الإعلان على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف أن روسيا لن تدخل في حرب ضد أحد في حال التدخل عسكرياً في سورية.

ستكون هذه الضربة ساحقة ماحقة ومميتة، ويخطئ هذا النظام المصاب بالرعونة السياسية القاتلة إذا ظن أن مثل هذه الضربة "ستقويه"، فالأميركيون وحلفاؤهم سيدمرون البنية العسكرية لسورية تدميراً شاملاً، وسيكتشف بشار الأسد أنَّ حلفاءه الروس والإيرانيين نمورٌ من ورق، وأن حسن نصر الله سيكون أول المختبئين، وأن كثيرين من جنرالاته ومساعديه ورموز نظامه سيسارعون إلى القفز من سفينته الغارقة... وقد ينضم بعضهم إلى صفوف المعارضة التي أصبحت مؤهلة عسكرياً وسياسياً للزحف نحو العاصمة دمشق، لإقامة النظام الديمقراطي البديل الذي يحلم به الشعب السوري وتنتظره الأمة العربية.