في كل مرة كنت أزور بيت الوالد ألتفت إلى المسجد القريب من منزله لأراه يتكئ على عصاه يجر قدميه الثقيلتين للنزول من الدرج عائداً من فريضته التي أداها داعياً ربه القبول، فيكمل تنقله في المنزل.

Ad

فمنذ فقدي له شعرت أنني عاجزة عن الكتابة، وقد تجمدت جميع الحروف في ذهني، أراها ولكني لا أستطيع الوصول إليها؛ كي أخط مشاعري أو أحوك آهاتي ولوعتي على فراقه، كما أن محبرتي جفت كجفاف مقلتي من البكاء عليه، حيث صارت تئن بلا دموع... فقد صمت الفكر وحار العقل!

إلا أن هناك رغبة جامحة في التعبير وسرد الأحاديث عن مآثر ذلك الداعية الذي نشأت في ربوعه، فأظلني بحسن التربية وطيب الخلق وعلمني على خير نهج... فكأنني أراه وهو يجتهد في تحفيظي وإخوتي القرآن الكريم، ويحضر لنا المُحفِّظين الورعين لمتابعتنا في حفظ القرآن وتعلم مخارجه وضبط تجويده.

ولا أنسى أنه إضافة إلى ذلك لم ينس أن يربينا على سنّة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث شرَّبنا إياها شرباً حتى باتت عادة من عاداتنا لا ننفك عنها في جميع السلوكيات والمعاملات، إضافة إلى الفكر التبليغي الذي يدعو إلى تطبيق سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله والخروج في سبيله، فقد غرس فينا شيئاً منه... فلربما تتساءلون وماذا يكون هذا الفكر؟ هل هو تنظيم سياسي؟ أو حزبي؟ أو ما شابه ذلك؟

سأريحكم من التساؤل... هو بعيد كل البعد عن مثل تلك التنظيمات، بل هو عبارة عن جماعة تعتمد في منهجها على كتاب رياض الصالحين وحياة الصحابة، وقائم على الصفات الست التي أرى أنها تلخص الدعوة الإسلامية في اتباعها، ولست بصدد ذكرها إنما من يجلس مع تلك الجماعة التي لا تتحدث إلا في ما قال الله، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم يصل به الشعور، كما وصل بالصحابي الجليل طلحة بن الزبير رضي الله عنه، حين قال للرسول صلى الله عليه وسلم "نجلس عندك فنسمع كلامك وكأن الطيور على رؤوسنا وكأنا نرى الجنة رؤي عين"... فهذا هو والدي قد قضى عمره في التبليغ والدعوة إلى الله، وجاب البلدان والوديان والبحار وهو حامل هذه النية التي يخرج بها بغية إصلاح النفس ومجاهدتها ثم دعوة الآخرين لله ولرسوله، وبذلك فهو قد طبق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه "من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق".

وقال أيضاً "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض". كما كان يتمنى أن يتوفاه الله على ذلك العمل الجليل حتى يقع أجره على الله، كما قال المولى في كتابه العزيز"وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ".

فها هو قد ترجل وطويت صفحته بسيرة عطرة وصيت حسن، وبقي طيفه الذي يذكرني به كلما مررت بمسجد بيته، فأسأل الله له أن يكون في بطن اللحد مطمئناً وقد مدّ له في قبره على مد بصره، وجعله نوراً من نوره، وخير رديف له عمله الذي حرص على تزيينه وتبييضه فهو أنيسه... وأسأل الله أن يحسن خاتمتنا أجمعين.