لم يكن قد انقضى على تشكيل "الإخوان المسلمين" خمس سنوات حين وصف مؤسس الجماعة حسن البنا عام 1933 الملك فؤاد بأنه "ذخر للإسلام"، وبينما كانت شوارع مصر تغلي ضد الملك فاروق عام 1937، وصفه البنا، الذي يلقبونه بالإمام والشهيد، بقوله إنه "ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه"، وعندما طالب مصطفى النحاس باشا زعيم حزب "الوفد" بالحد من سلطات الملك غير الدستورية وخرجت جموع المصريين تهتف "الشعب مع النحاس" فتصدى لهم الإخوان بتظاهرات "الله مع الملك"، وفي مارس 1938 نادت صحف الإخوان بالملك فاروق خليفة للمسلمين، وردد الإخوان يمين الولاء للملك فاروق في ميدان عابدين في فبراير 1942 "نمنحنك ولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله".

Ad

وعلى امتداد سنوات النظام الملكي وقف "الإخوان" ضد حزب "الوفد"، وهو صوت الحركة الوطنية ووصل الصراع بين الجانبين ذروته في يوليو 1946، فلجأ "الإخوان" كعادتهم إلى العنف وألقوا بالقنابل على أنصار "الوفد" في بورسعيد مما أسفر عن مقتل أحد الوفديين وإصابة العشرات، فغضب الأهالي وأشعلوا النار في دار الإخوان والنادي الرياضي ببورسعيد، وعندما شن إسماعيل صدقي رئيس الوزراء القريب من الاحتلال الإنكليزي في ذلك الوقت حملة اعتقالات لمئات المثقفين والطلبة والعمال عام 1946 وأغلق عشرات الصحف، نشرت صحف الإخوان الرسمية أن الظروف تحتم ذلك لأن سلامة المجتمع وحرية الأمة فوق كل شيء، وخرج أحد قياداتهم مصطفى مؤمن زعيم الإخوان بالجامعة وخطب تأييداً لإسماعيل صدقي مستشهدا بالآية الكريمة "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً".

وبقيام ثورة يوليو التقى الإخوان بعبدالناصر وحاولوا القفز على الحكم، وأغلقت أبواب التفاهم بين الإخوان والثورة بعد محاولتهم اغتيال عبدالناصر في المنشية في أكتوبر 1954، وما إن وصل السادات إلى الحكم حتى قدموا أنفسهم له سلاحاً ضد الناصريين واليساريين في الجامعات، فاستخدمهم وعملوا على تأجيج الفتنة الطائفية، وخشي السادات من العفريت الذي أطلقه فاعتقل كثيرين منهم.

وفي عهد مبارك لم يتركوا فرصة للتأييد إلا وانتهزوها، ويقف تصريح المرشد السابق عام 2005 عندما أعلن المرشد مهدي عاكف في حوار بمجلة "آخر ساعة" تأييد الجماعة لترشيح مبارك لولاية جديدة، وتمنى لو استقبله مبارك والتقى به، وفي 2010 صرح المرشد محمد بديع بقوله إن "مبارك أب لكل المصريين"، وفي الفترة الانتقالية التي أدار فيها المجلس العسكري والمشير طنطاوي شؤون البلاد خرج الإخوان في جمعة 29 يوليو 2011 يهتفون له "يا مشير يا مشير ألف تحية من التحرير"، وأيضاً "يا مشير يا مشير... م النهارده أنت الأمير".

لم يفعل الإخوان شيئاً عبر تاريخهم سوى الانتقال من هتاف "الله مع الملك"، إلى تحية الرئيس المؤمن السادات، إلى "مبارك والد كل المصريين "إلى "يا مشير م النهارده أنت الأمير" وأخيراً إلى "مرسي مرسي... الله أكبر".

اليوم سقطت الجماعة بعد عام واحد من القفز على السلطة في مصر، أثبتت ما توقعه حليفهم حسن الترابي عراب الحركة الإسلامية في السودان من أنهم لن ينجحوا في إدارة الدولة حيث نسب إليه قوله منذ فترة: "قلت للإخوان لا تترشحوا للرئاسة، وليكن عندكم أكثرية برلمانية، واستثمروا جو الحريات لصناعة الكوادر التي تقود الدولة بعد قيادة المسجد، فإدارة الدولة تختلف عن إدارة الجمعيات الخيرية"، حسب وصف الترابي الذي أضاف أن "العمل في جو الحرية هو الذي يولد لكم فرصة الوجود ولو من بعد"، ولكنهم لم يفهموا ذلك، وأخذتهم العزة بالقوة، وتمكن منهم العناد والإنكار وشهوة السلطة التي أعمتهم عن الحقائق ووفرت منهم الجميع أفراداً وجماعات.

تاريخ من الانتهازية السياسية والعمل في الظلام والنمو في أجواء التضييق والاستبداد، العداء للشعب وحريته والاعتداء على رموزه بالعنف كان أحد الملامح في تاريخ الجماعة، يختتمونه الآن بالوقوف في مواجهة المجتمع كله، يبدو الأمر الآن بعد سقوط الإخوان كأنها جماعة في مواجهة أمة.

إذا أرادت الجماعة أن تجد لنفسها مكاناً وأن تكون لديها فرصة لاستعادة قليل مما خسرت فإن الطريقة الوحيدة هي أن يدركوا أنهم خسروا السلطة بالفعل، فعلى الأقل لا يخسرون فرصة العودة كفصيل ينشط في إطار دولة مدنية حقيقية.

فشل ثلاثة رؤساء جمهورية وأنظمتهم، ومن قبلهم تيارات ومؤسسات عديدة، جميعهم فشلوا في هزيمة الجماعة والقضاء عليها على مدار أكثر من ثمانين عاماً، هم فقط من استطاعوا بأيديهم أن يقضوا على أنفسهم ويكشفوا حقيقتهم أمام الناس في عام واحد فقط، واستمرارهم في موقفهم الرافض للحقيقة والمعادي للمجتمع الآن سوف يقضي على أي فرصة لعودتهم.