عندما يسيطر القبح على المشاهد يتراجع الجمال، ولكن يظل كامناً إذا ما كان حقيقياً وأصيلاً، وفي مصر يحاول القبح أن يحكم المدينة، يسعى المنتمون إلى الجزء الطامع في السلطة والانتقام، من الجماعات الإسلامية السياسية والإرهابية منها على وجه التحديد، وفي صدارتها جماعة "الإخوان المسلمين"، يسعى هؤلاء إلى سيادة القبح تحت شعارات ودعاوى تبدو وكأنها حق، ولكن الحقيقة أنها باطل، لكن المطمئن أن مكامن الجمال وطبيعة الشخصية المصرية أصيلة، وأثبت التاريخ أنها لا تضيع أو تتوه خلف موجات القبح حتى وإن بدا أنها توارت.

Ad

كرداسة هي آخر المتعرضين لموجة "التقبيح" بسبب سيطرة "الإخوان" وأتباعهم عليها، وما ارتبطت به من أعمال إرهابية، خاصة مذبحة قسم الشرطة يوم الرابع عشر من أغسطس الماضي يوم فضّ اعتصام رابعة عندما توجه البعض إلى القسم وأحرقوا المبنى وقتلوا مأمور القسم وضباطه وعساكره وذبحوهم ومثّلوا بجثثهم في مشهد من الصعب أن ينساه كل من شاهده، وخلال الأيام الأخيرة تمكنت قوات الأمن المصرية من اقتحام المنطقة بعد أن تحولت إلى المعقل الرئيسي للهاربين من الجماعات الإسلامية المصرة على مواجهة الدولة والمجتمع، وساعدهم على ذلك طبيعة كرداسة جغرافياً.

ولكن هل مازالت كرداسة قادرة على تجاوز موجات التقبيح التي تعرضت وتتعرض لها؟ إذا ما نظر أي سائح إلى مصر في ما حمل معه من تذكاراتها ففي الغالب سيجد أحد منتجات كرداسة، ولاسيما بين السياح العرب، فإن هذه المنطقة وهذا الاسم مرتبط لديهم بالنسيج والأقمشة والعبايات والجلاليب والمفارش، هذه هي كرداسة التي يعرفونها، والتي يعرفها التاريخ كمدينة صغيرة قديمة ارتبط اسمها بالنسيج، بل وصل الأمر إلى القول إن النسيج بدأ فيها قبل إقامة القرية!

مركز كرداسة مقره كرداسة، وهي من أكبر مدن محافظة الجيزة بجمهورية مصر العربية، وهي من القرى القديمة في مصر، فقد تطرقت إلى ذكرها في أكثر من موضع المؤلفات التي اهتمت بحصر القرى المصرية مثل القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945م لمؤلفه محمد بك رمزي، كما أتى ذكرها في الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك بالجزء الخامس عشر، حيث تحدث عن صفاتها، وأن بها أنوالاً لنسيج المقاطع القطنية والأحرمة الصوفية وغير ذلك، فضلاً عن المصابغ والطواحين، وأن لها سوقاً يوم الاثنين تباع فيه المواشي وغيرها، وتزرع فيها الملوخية والبامية قبل وقتهما، الغريب أن هذا السوق مازال قائماً حتى اليوم، ولكن من ذهب إلى كرداسة مؤخراً اكتشف أن السوق بات مدينة خوف ورعب. ولا يعرف أحد على وجه التحديد متى بدأت صناعة النسيج في كرداسة، فهي تكاد تكون من قدم البلدة نفسها، لكن المعروف أن أولى خطوات تطوير هذه الصناعة كانت على يد النائب البرلماني محمود باشا فهمي المكاوي ابن المنطقة، والذي قام بتأسيس الجمعية التعاونية لصناعة النسيج عام 1943، ووصل عدد مصانع النسيج بها إلى حوالي ستمئة مصنع صغير، هي سر حياة المنطقة.

لم يكن النسيج وحده قريناً لاسم كرداسة، ولكنها ارتبطت أيضاً ببعض رموز التشدد في الحركات الإسلامية مثل قرية ناهيا، فهي مسقط رأس عائلة الزمر التي ينتمي طارق وعبود الزمر إليها، فطارق الذي سُجِن بتهمة قتل السادات، يعد الآن من المطلوبين بتهمة التحريض على العنف.

ومع اعتلاء جماعة "الإخوان المسلمين" مقاليد الحكم في البلاد وصعود الرئيس المعزول محمد مرسي إلى قمة السلطة التنفيذية للدولة حيث رئاسة الجمهورية، عادت كرداسة معقلاً لأعضاء جماعة "الإخوان المسلمين" وحاضنة للفكر الديني المتطرف، ولعل الطبيعة الجغرافية لمنطقة كرداسة ساهمت في أن تصبح قرية أبو رواش التابعة لمركز كرداسة إحدى أهم قرى السلاح في مصر ومركزاً للبؤر الإرهابية والعناصر الإجرامية المطلوبة، فللقرية ظهير صحراوي يجعل من السهل الدخول والخروج منها.

وبعد مذبحة قوة التأمين التابعة لقسم مركز شرطة كرداسة يوم 14 أغسطس نشطت الخلايا المتطرفة بها لتمارس عملاً إرهابياً ضد الدولة، وتنتقص من وضعها الأمني لتتحول كرداسة إلى بؤرة تؤوي مطلوبين ومسلحين، وبهذا رفعت كرداسة راية العصيان ودخلت في معركة مصير، حيث "الداخلية" في مصر إما أن تكون أو لا تكون.

(متاريس... حواجز أسمنتية... أسلحة نارية ما بين الآلي و''المتعدد'' و''الآر بي جي''... دشم وعوائق معدنية... يظن من يرى ذلك أنه في منطقة حرب، لكن المفاجأة أن ذلك المشهد هو في مركز كرداسة بالجيزة عقب إعلان عدة جماعات إسلامية سيطرتها عليها وإعلانها إمارة إسلامية؛ رداً منها على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة)... هذا هو الوصف الذي قدمه زميل صحافي في تحقيق له عن كرداسة تحت سيطرة "الإخوان" وحلفائهم، وتحولت من جنة للسياحة إلى موطن للمسلحين والمجرمين والهاربين والفضل لهم.

 كرداسة ذلك المركز الذي ذاع صيته واشتهر عالمياً، لكن ليس بمزاراته السياحية بل بمجزرة مؤسفة بكل المقاييس عندما انتزعت الرحمة من قلوب البعض وقاموا باقتحام قسم الشرطة وسحل وقتل المأمور ونائبه ومعاوني المباحث على مرأى ومسمع من الجميع، سيطروا عليه وأرادوه إمارة للقبح والعنف، ولم يكن أمام السلطات المصرية إلا أن تطهر المدينة مما يشوبها، وقد تأخر هذا التدخل كثيراً للحد من الضحايا.

خرج القبح من المدينة، فهل يعود إليها جمال الذكريات التي يحملها كل من زارها، وهو ينظر إلى ألوان نسيجها المفعم بالحياة؟ أتمنى.