"هل تصدق أنهم سوف يتوقفون عن التجسس عليك وعلينا جميعاً مهما قامت المظاهرات ومهما ازدادت الانتقادات لهم؟" لم يُجب صديقي الشاب الإنكليزي عن هذا السؤال الذي سألته في نهاية نقاش حول ما الذي يمكن أن تؤدي إليه الضغوط والانتقادات بل حتى المظاهرات ضد الحكومة البريطانية أو الإدارة الأميركية بعد الكشف عن قيام وكالة الأمن القومي الأميركي برصد جميع أنشطة المستخدمين على الإنترنت، وكذلك قيامها بالتنصت على مكالمات المستخدمين داخل الولايات المتحدة، مما أثار حالة من الخوف والتشكك بين أوساط المستخدمين ومسؤولي الشركات في آن واحد. الضجة التي ثارت في أميركا وأوروبا حول هذه المعلومات التي تسربت عبر الواشنطن بوست الأميركية والغارديان البريطانية أظهرت مجموعة من الحقائق الخاصة بنا وبهم، أقصد "بنا" نحن أبناء المجتمعات الشرق أوسطية، و"بهم" قصدت المجتمعات الأكثر تطوراً في مجال احترام الإنسان.

Ad

في كلا الشكلين من المجتمعات هناك إدارة أو حكومة أو نظام يعتقد أنه الأكثر إدراكاً من مواطنيه لأبعاد الأمن القومي بالبلاد، مما يتيح له اتخاذ إجراءات قد تتعارض مع خصوصية الأفراد، لكن الفرق يكمن في مدى تأثير الرأي العام على حكومته، بمعنى آخر مدى حرص هذه الحكومات على عدم إغضاب الرأي العام.

عندما كشف الغطاء عن عمليات التجسس هذه خرج الرئيس الأميركي باراك أوباما ليدافع عن برامج الإدارة الأميركية لمراقبة الهواتف والإنترنت، ويؤكد أنها تمت بموافقة نواب الأميركيين في الكونغرس وتخضع لمراقبة مستمرة، وحاجج مواطنيه بالمنطق "لا نستطيع أن نحصل على 100% من الأمن و100% من الخصوصية وصفر من الإزعاج"، وفي بريطانيا خرج رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ومن بعده وزير خارجيته وليم هيغ ليؤكد أمام أعضاء البرلمان الذين أثاروا عاصفة من الانتقادات والتساؤلات، خرج لا لنفي أو تأكيد المعلومات حول وجود تعاون بريطاني- أميركي في هذا المجال، ولكن لنفي أن تكون أي من أجهزة الاستخبارات القانونية خرقت القانون، مؤكداً أن الهيئات البريطانية تخضع لـ"رقابة مناسبة" من جانب البرلمان وأنها "تعمل في إطار القانون".

إذن المسألة واضحة، لن تتوقف أي من هذه الدول عن تكثيف عمليات المراقبة والتنصت ليس فقط على الهواتف ولكن على كل الأشكال الحديثة التي نعرفها والتي لم نعرفها بعد، لكن الخط الأحمر الذي سوف يظل حاضراً دائماً هو الحرص على عدم إغضاب الرأي العام، وهذا يتم من خلال الحرص على عدم المساس بالحرية الفردية وعدم اختراق الخصوصيات، الأمر الثاني الحرص بقدر الإمكان على عدم تسرب معلومات عن قيام الأجهزة الأمنية بهذه الإجراءات، نعم، فالمواطن يعلم ويرى ويتوقع أن كل خطواته تحت الرقابة بشكل أو بآخر، فالكاميرات تملأ الشوارع والمطاعم والمحال والباصات، فحركته مرصودة، وكذلك سلوكه اليومي معلوم تماماً من خلال تتبع استعماله لبطاقاته البنكية، لكن ما يريده المواطن في المقابل عدم اقتحام خصوصياته أو على الأقل إشعاره بذلك، والالتزام بالقانون.

من بين موضوعات كثيرة ناقشت فيها صديقي في القاهرة عبر الهاتف، سألته ما إذا كان يتابع هذه القضية التي تلقى اهتماماً كبيراً في الدول الغربية، فأجابني بلا اكتراث: "أي موضوع وأي تجسس؟ لم أتابع الموضوع أو أسمع به، لا شيء لدينا سوى همومنا، ولا يتابع أعلامنا سوى مشاكلنا"، فحاولت أن أشرح له الحكاية وكيف كشفها ذلك الموظف الشاب سنودن الذي كان يعمل فنياً بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، استمع إليَّ صديقي باهتمام مفتعَل وصمتَ قليلاً، وقال إنه على الأقل هناك جهاز أمني واحد يراقبهم، وعلى الأقل حكومتهم هي التي تتجسس وتتنصت عليهم، أما نحن هنا فلم نعد نعلم مَن يتنصت على مَن، ولا من يراقب من، ليست الحكومة فقط أو أجهزتها الاستخباراتية أو الأمنية التي تقوم بذلك فقط، بل أصبحت هناك جماعات سياسية تمتلك أجهزة تجسس وتتنصت، ألم تسمع قيادي الجماعة الحاكمة هنا الذي كان يفاخر بأن لديهم تسجيلات لمكالمات الرئيس وقت أزمة النائب العام؟ ألم تقرأ عن أجهزة التجسس التي تم ضبطها في مكاتب الجماعة وقيادتها؟

لم أستطع أن أجيب أمام إحساس الغضب والمرارة، فقط تذكرت تأكيد أوباما المرتبك لمواطنيه وهو يؤكد لهم: "لا أحد يتنصت على اتصالاتكم الهاتفية" وإشارات وصوت الرئيس المصري الغاضبة، وهو يقول لمواطنيه: "أنا عارف كويس قوي مين بيقول إيه وإزاي وعلشان إيه؟".