لم يكن حادث التفجير الإرهابي الذي شهدته مدينة المنصورة، وسط الدلتا، مفاجئاً لكنه كان صادماً في عنفه وتحديه ودمويته، فقد أسفر تفجير مبنى مديرية أمن الدقهلية عن سقوط ستة عشر شهيداً وأكثر من مئة وثلاثين جريحاً، لم يكن مفاجئاً لأنه منذ اللحظة التي أطاح فيها المصريون بالإخوان من سدة الحكم اتخذت قيادات الجماعة موقفاً اتسم بالغباء السياسي والتحدي المخاصم للعقل، قررت قيادة الجماعة الوقوف ضد العقل والمنطق والتيار الشعبي العارم الرافض لهم، وتجاوزوا ذلك إلى معاداة المجتمع والتعدي على أفراده وحاولوا ضرب أسس الدولة لهدمها، لم تتورع الجماعة عن استدعاء حلفائها وصنائعها من الجماعات الأخرى الأكثر تشدداً في ممارسة العنف، مدعومة في ذلك بدويلات ودول وجماعات ترى في القضاء على الجماعة في مصر ضربة قاسمة لترتيبات يرونها ويعملون على تنفيذها.

Ad

المشكلة والخطأ الكبير الذي وقعت فيه قيادات الجماعة أنهم قرروا معاداة الشعب ففقدوا أية مساحة للتعاطف معهم وتآكلت نسبة مَن كانوا على استعداد لأن يتفهموا موقفهم ويدعموهم للعودة إلى ساحة العمل السلمي، وللتدليل على ذلك فإن مقارنة سريعة بين حجم تظاهرات التعاطف والتأييد معهم في أعقاب سقوطهم كانت تعد بالآلاف وبعشرات الآلاف أحياناً، اليوم، وحتى قبل صدور قرار اعتبارهم منظمة إرهابية، فقد تقلصت هذه التظاهرات إلى عشرات يصلون أحياناً إلى المئات بصعوبة ويواجهون غضباً شعبياً واضحاً، تفسير هذا الموقف ببساطة هو أن استهداف هذه الجماعة ليس فقط لأجهزة الدولة، ولكن لكل المواطنين في أسلوب عقابي للشعب الذي أطاح بهم في حياته اليومية، بتعطيل أو محاولة تعطيل ما يمكن من وسائل الحياة اليومية، هذا الأسلوب خلق قناعة بعدم إمكانية تعايش جماعة هذا أسلوبها وتفكيرنا بين أفراد مجتمع وثق بعضهم فيهم في فترة من الفترات.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن اللجوء، منذ اللحظة الأولى، إلى تفجير الأوضاع في مصر ومحاولة هدم أسس الدولة بدا أنه هدف أولي وأساسي منذ اللحظة التالية للسقوط، وهنا نستطيع تذكر تهديد مرسي بأن الدم لم يبدأ بعد، وأن الإخوان لن يسكتوا، ولنتذكر أيضاً ذلك التصريح أو التهديد المهم الذي أطلقه أحد قياداتهم يدعى البلتاجي وقت احتلالهم لميدان رابعة بأن العنف في سيناء لن يتوقف إلا عندما يعود مرسي إلى الحكم، أو ذلك التصريح لأحد قياداتهم لا أتذكر اسمه لكنه يطالعنا كثيراً على شاشات التلفزيون يؤكد أن الاغتيالات والدم سينطلقان في شوارع مصر، كل هذه العلامات والتهديدات وغيرها تُظهِر يقيناً أي مسلك اختارته هذه الجماعة في سلوكها ورد فعلها تجاه المصريين، الذي يمكن تلخيصه، ببساطة، بأنهم خيّروا المصريين بين خيارين إما أن يحكموهم أو يقتلوهم، ويبدو أنهم حتى الآن يمارسون الخيار الثاني، في بيان الحكومة المصرية اعتبرت أن حادث تفجير المنصورة يأتي في إطار تصعيد خطير لعنف الجماعة ضد مصر والمصريين، وذلك في إعلان واضح من جماعة الإخوان أنها ما زالت كما كانت لا تعرف إلا العنف أداة لتحقيق أهدافها، منذ اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي وقتل القاضي الخازندار في أربعينيات القرن الماضي، وحتى أحداث الاتحادية في عام 2012، وجرائم التعذيب في رابعة العدوية، مروراً بعمليات تصفية أعضاء الجماعة الخارجين عليها، ومحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، في الخمسينيات من القرن الماضي، واغتيال الشيخ الذهبي، والرئيس الراحل أنور السادات، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى جرائم حرق الكنائس، التي امتدت على طول عمر هذه الجماعة، قد يلاحظ هنا أن جرائم الثلاثة وثمانين عاماً من العنف قد تم إلصاقها بالجماعة، وقد يرى البعض في ذلك تحاملاً عليها، ولكن يمكن فهم حدود مسؤولية الإخوان عن هذه الأحداث في إطار التذكير بأن الجماعة، حتى وإن لم تشارك بشكل مباشر في بعض هذه الجرائم إلا أنها لم تقف موقف الإدانة الواضحة منها، كما أنها لم تعتذر للمصريين عن أفعال العنف والإرهاب التي تورطوا فيها على مر السنين، إضافة إلى حقيقة مهمة أن كل جماعات العنف التي نفذت هذه العمليات بشكل مباشر قد خرجت من عباءة الجماعة التي لعبت دائماً بأسلوب انتهازي يجمع ما بين التدعيم والرعاية لمثل هذه العمليات دون التورط بشكل واضح فيها.

بمتابعة استطلاعات الرأي الإلكترونية على مواقع عدة كان السؤال عن الموافقة أو رفض قرار الحكومة المصرية باعتبار الإخوان جماعة إرهابية فإن النتائج كانت في معظم المواقع هي الموافقة على القرار بنسب ساحقة، وعلى الرغم من أن هذه الاستطلاعات لا تعبر بشكل دقيق عن توجهات الرأي العام فإنها تصلح كدلالة على التوجه، المقصود ببساطة أن الإخوان عادوا الدولة والناس فلم يجدوا من يدعمهم من بين الناس أو حتى من يبكي عليهم.

بعد سلسلة حوادث الإرهاب التي تشهدها مصر كان الحل إما إعلان حالة طوارئ وأحكام عرفية على البلد كله، وهذا ما كانوا يسعون إليه لإفشال خريطة الطريق، أو إعلان هذه الأحكام في وجه الجماعة التي أعلنت عداءها للدولة والمجتمع، وكان الأصوب هو الخيار الثاني في بلد يمر بظروف استثنائية ولا بديل لأهله إلا النجاح في العبور إلى شاطئ الاستقرار الذي لن يحدث الا بالتقدم إلى الأمام عبر تنفيذ خريطة طريقه التي اختارها.