ما سر نجاح الاقتصاد الألماني؟

نشر في 29-10-2013 | 00:01
آخر تحديث 29-10-2013 | 00:01
No Image Caption
يعتمد النظام الاقتصادي الألماني على المنافسة الرأسمالية، ويسمح للدولة بالقيام بتعديلات لضمان منافسة عادلة وإيجاد توازن اجتماعي، يضاف إلى ذلك أن النظام الاقتصادي في ألمانيا يشمل حق التفاوض المفتوح بين أرباب العمل والنقابات.
ليس من الضروري تقنين السوق لضمان نجاح اقتصاد الدول، فالمنظومة الاقتصادية تحدد فقط الإطار العام للعمل. كذلك الأمر في ألمانيا، حيث يطلق على هذه المنظومة "اقتصاد السوق الاجتماعي". 

ويعتمد هذا النظام الاقتصادي على المنافسة الرأسمالية من جانب، ويسمح من جانب آخر للدولة بالقيام بتعديلات لضمان منافسة عادلة وإيجاد توازن اجتماعي.

أسس هذا النظام المستشار بيسمارك في القرن التاسع عشر، الذي كان يلقب بالمستشار الحديدي، إذ يعود له الفضل في إنشاء نظام التقاعد والضمان الصحي.

ما يعني أن تكاليف التقاعد والضمان الصحي "تُدفع مناصفة من قبل أرباب العمل والعاملين على حد سواء"، كما يوضح فيرنر شرايبر وزير سابق للشؤون الاجتماعية في ولاية سكسونيا- أنهالت شرق ألمانيا.

مازالت أسس بيسمارك قائمة إلى وقتنا الراهن، سواء تعلق الأمر بسياسية الأسرة أو نظام المساعدات الاجتماعية أو غير ذلك. يضاف إلى ذلك أن النظام الاقتصادي في ألمانيا يشمل حق التفاوض المفتوح بين أرباب العمل والنقابات. 

وهذا يعني أن للطرفين الحق في تحديد الأجور من دون تدخل الدولة، كما يقول شرايبر في حديثه لـDW. وكان من تأثير المفاوضات المباشرة بين النقابات وأرباب العمل تراجع نسبة الإضرابات في العقود الأخيرة.

 

ازدهار سوق العمل

 

وفي الوقت الذي تعاني فيه أسواق الدول الأوروبية المجاورة من تفشي البطالة، تشهد ألمانيا معجزة اقتصادية جديدة، بعد أن بلغ عدد العاملين 42 مليون عامل. وهو رقم قياسي لم تشهده ألمانيا من قبل.

بيد أن السبب الرئيسي لهذا النجاح يعود إلى الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها حكومة المستشار السابق غيرهارد شرودر، والتي أطلق عليها آنذاك أجندة 2010.

وكان من بينها إنشاء قطاع للأجور المنخفضة، والعمل على جعل الأسواق أكثر مرونة، والنتيجة "خلق العديد من الوظائف، لكن بعضها بأجور متدنية"، كما يقول أولي بروكنير من جامعة ستاندفورد.

ويؤكد الخبير الألماني في حواره لـDW أن الحكومة القادمة عليها التركيز في إصلاح الجوانب السلبية لأجندة 2010، وهي بالتالي غير مطالبة بإحداث تغييرات جوهرية للنظام الاقتصادي الاجتماعي، كما كان الشأن عند بلورة أجندة غيرهارد شرودر.

 

كفاءات متخصصة

 

من العوامل الأساسية لنجاح الاقتصاد الألماني هو الإعداد والتكوين المستمر للكفاءات المتخصصة. ففي كل عام يتوافد نحو مئة ألف مهندس ومتخصص في العلوم الطبيعية على سوق العمل، قادمين من الجامعات والمعاهد التقنية الألمانية والتي يزيد عددها على المئتين موزعة على مختلف مدن ألمانيا.

كما أن النظام التعليمي الألماني يقوم على دمج الجوانب النظرية بالتطبيقية، معتمداً بذلك على نظام التعليم الحرفي في القرون الوسطى، مما يضمن للطالب والمهندس لاحقاً أن يكون ملمّا باختصاصه من جميع الجوانب.

وهكذا يحصل سوق العمل على أجيال من الكفاءات المتخصصة، تستفيد منها على وجه الخصوص الشركات الوسطى التي تعد عماد الاقتصاد الألماني. والشركات المتخصصة هي تلك الشركات التي لا يزيد عدد العاملين فيها عن 500 عامل، ويبلغ عددها في ألمانيا نحو 3 ملايين شركة، أي ما نسبته 99 في المئة من مجموع الشركات في البلاد، وغالبيتها تديرها عائلات منذ أجيال.

ولذلك، يرى كلاوس-هاينر رول من معهد الاقتصاد الألماني أن هذا جعل القطاع الصناعي في ألمانيا يشكل 26 في المئة من مجموع الإنتاج الاقتصادي، "فالعائلة تمتلك الشركة ولا شيء آخر، بينما في بريطانيا باتت الشركة مطروحة في سوق رأس المال، وربما استولت الشركات الكبرى على الأسهم. وفي وقت ما أغلقت مصانع الشركة في بريطانيا، ونُقلت إلى مكان آخر خارجها".

والملاحظ في ألمانيا، يضيف رول لـDW، أن الشركات تلعب الدور الأساسي في حياة أصحابها، وهو ما يضمن بقاءها، ويضمن نجاحها في السوق.

 

تحديات المنافسة الدولية

 

بيد أن المنتج الألماني وجد نفسه اليوم أمام منافسة دولية شرسة، خاصة من قبل المنتجات المصنعة في الدول الآسيوية، حيث تكاليف اليد العاملة منخفضة بشكل مهول. 

ولم يعد يكفي تقديم منتج بجودة عالية يحمل علامة "صنع في ألمانيا" فحسب، وإنما باتت الشركات مجبرة على تقديم قائمة خدمات، يوضح رول: "لا تبيع الشركة ماكينة فحسب، وإنما عليها تركيبها، وتأهيل اليد العاملة التي ستستخدمها في مصنع المشتري، إلى جانب تخصيص مكتب للإصلاح على مدار الساعة. وفي الحالات القصوى تقديم ضمانات لإنتاج متواصل للماكينة".

وللحفاظ على نجاحاتها أضحى "قدر" الشركات الألمانية مرتبطاً بتطوير تكنولوجيا متقدمة لضمان موقع الريادة، خاصة وأن البلاد تفتقر للمواد الطبيعية.

الساسة بدورهم يدركون أهمية هذه النقطة بالذات، ولهذا خصصوا سبعين مليار يورو لمجال التطوير والأبحاث. وهي ميزانية تزيد عن ميزانيات الجيران الأوروبيين.

البنية التحتية والمناخ

 

البنية التحتية هي أيضاً ورقة تخدم الاقتصاد الألماني، فمهما تعددت القطاعات سواء تعلق الأمر بالإعلامي أو الطاقة أو نظام الطرق والمواصلات، فإن البلاد تتوفر على أفضل البنى التحتية في العالم.

وبفضل هذه المعطيات تتمتع ألمانيا بموقع جغرافي مميز، يسمح بالوصول إلى أي منطقة أخرى في أوروبا خلال يوم واحد فقط. ولأنها تقع وسط أوروبا، فإنها تتوفر أيضاً على مناخ قاري معتدل، لا يشهد موجات الحر الشديدة، ولا أعاصير قوية من شأنها تهديد البنية التحتية بشكل مستمر. ومن ثمة، ساعد المناخ على تطوير ظروف إنتاج ملائمة على مدار عقود، عكس الدول المتواجدة على أطراف أوروبا.

back to top