التنقل في البيت الزهري يعني السير بين الذكريات والظلال. إنه بناء رائع يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، يتميز بفخامة وبتاريخ يأسران المشاعر  والحواس.

Ad

في خمسينيات القرن الماضي، سكنه كل من الملحق الثقافي الأميركي والرسام التشكيلي جون فرّين، من ثم سكنته عائلة الخازن، وكان ابنها رساماً تشكيلياً بدوره، إلا أنه توفي في ثمانينيات القرن العشرين بعد شقيقته الصغرى وكانت رسامة وعازفة بيانو، وفي 2012 توفيت الوالدة، ولم يبقَ من العائلة سوى فايزة ، وهي رسامة تشكيلية ومتحمسة للتراث، أقامت في باريس إلى أن اضطرت إلى العودة إلى لبنان للبقاء قرب والدتها المريضة، فأسست دار نشر في بيروت مخصصة لتاريخ لبنان، ومنذ فترة تركت المنزل النابض بالذكريات، وأعطت المفاتيح للرسام الإنكليزي توم يونغ، بالاتفاق مع المالك الجديد هشام جارودي وتحت رعاية لمى سلام عقيلة رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام.  

اكتشاف وإعجاب

منذ وصوله إلى لبنان في 2006، اكتشف توم يونغ البيت الزهري وأعجب به  من بعيد، وبقي الأمر كذلك لغاية أبريل 2014، ففي خلال إحدى نزهاته على كورنيش المنارة مع زوجته نور، قرر طرق بابه بتشجيع من زوجته، ففتحت له فايزة ورافقته وزوجته في زيارة للغرف، وأطلعته على كتب التاريخ، وحدثته عن عائلتها...

كان على فايزة مغادرة المنزل في أكتوبر، فاغتنم هذه اللحظة، واقترح عليها أن يرسم لوحات من وحي جوه العابق بالتراث، وذلك في الوقت المتبقي لها قبل مغادرة المنزل. تحمست للفكرة وخصصت له مرسماً في الصالة الرئيسة، وقابل هشام جارودي، الذي وافق على إقامة معرض فيه، على غرار المعرض الذي أقامه يونغ في فيللا باراديزو، وهي منزل لبناني تراثي في منطقة الجميزة، في ضاحية بيروت الشرقية، عرض فيه مجموعة من أعماله منذ سنة تقريباً.

ففي خلال تجواله في قلب منطقة الجميزة، اكتشف يونغ بناء قديماً يعكس التراث اللبناني، فيللا باراديزو، تسكنه عائلة أرمنية هربت من المجازر الأرمنية واستقرت في بيروت، ومع اندلاع الحرب في لبنان تركت المنزل.

جذب هذا البناء الذي هو قيد الترميم، الرسام التشكيلي فغاص في الذاكرة والنوستالجيا، وأنجز لوحات ضخمة من وحيه. رافقت المعرض نشاطات ثقافية من بينها: أعمال مسرحية، أمسيات موسيقية، عرض أفلام، تنظيم ورش فنية مبتكرة...  شكلت  في مجملها مساحة لتلاقي الفنون والثقافة في بيروت

 

الفن في خدمة الذاكرة

يهدف توم يونغ من خلال المعرض إلى تبيان أن البيت الزهري يمكن أن يتحوّل إلى مكان مخصص للفن والثقافة، إلا أن مستقبل المنزل لم يحدد بعد، رغم كلمات جارودي المشجعة، وتأكيده أن المنزل سيرمم ويحافظ على طابعه التراثي، وأن أحد المشاريع التي يدرسها تحويله إلى دار للفن أو متحف يضم أعمال فنانين لبنانيين وعالميين، وأنه سيسهر وعائلته عليه.

اللوحات التي نفذها توم يونغ، خلال إقامته في البيت الزهري، تعكس التزامه بالتراث البيروتي وانزعاجه من الفوضى المعمارية التي تسيطر على المدينة وقضت على هويتها التاريخية، ومن الهدم الذي يجتاح كل ما هو  جميل وأصيل.

يقول: «أفهم ضرورة كسب المال، وأن بيروت تتطوّر، لكن ثمة تهديمات أكثر من اللازم. هذا المنزل مهدد وتعشش الكآبة بين حناياه، ونحن أمام نهاية حقبة تاريخية جميلة. أعطاني هذا الوضع هدفاً حقيقياً. ففي أوقات الأزمات، أعتقد بأن المساحات الثقافية تملك قيمة مهمة، إذ تساعد الناس على الحلم والأمل، وخصوصاً اللقاء».

يأمل يونغ، من خلال هذا المعرض، ليس تجييش الرأي العام بضرورة المحافظة على التراث فحسب، بل السماح للأشخاص، عموماً، بأن يكون لهم اتصال مباشر بالفن.  

يضيف: «أود اصطحاب الأطفال في المؤسسات الخيرية والاجتماعية التي أتعاون معها لزيارة المعرض. هدفي فتح المنزل، الذي ترتاده عادة العائلات الغنية، لاستقبال الفقراء وفاحشي الثراء على السواء». لكن إلهامه، قبل كل شيء، عاطفي.

أخرجت فايزة لوحات شقيقها سامي، عندما مكثت في المنزل في الصيف، وهي في مجملها بورتريه  لأفراد العائلة، أعجب بها يونغ وحركت فيه ذكريات شخصية، وعززت حضور سامي الروحي والعاطفي والفني، فاستلهم منه مواضيع للوحاته.

معرض «في البيت الزهري» يشكل دعوة للدخول في عالم آخر، متهدم لكن نبيل، زاخر بالذكريات والأمل بمستقبل بيروت، يمزج، بمهارة، الماضي والحاضر والمستقبل. إنه تكريم لما يعطي المدينة سحرها: من الأشياء التي عفا عنها الزمن إلى الأكثر دهشة. جزء من المعرض مخصص لأعمال سامي الخازن كلفتة تكريم له في ذكراه، فضلاً عن 40 لوحة تعكس طبيعة المنزل الحالمة.

• ينطلق المعرض اليوم ويستمرّ لغاية 31 ديسمبر.

نبذة

ولد توم يونغ في لندن عام 1973، عرض أعماله للمرة الأولى عام 1998. في موازاة معارضه في أوروبا، علّم توم الرسم. برع في فن البورتريه وفي رسم الطبيعة، قاده شغفه بالرسم إلى الهند والمغرب وسورية وماليزيا وإيطاليا وإسبانيا وأخيراً لبنان.