{التقنية والمادة واللون... كلها عناصر تشغلني أكثر من الموضوع نفسه}، بهذه الكلمات يختصر الفنان التشكيلي اللبناني شربل متى، معرضه {أبجدية} الذي أقامه في مكتب السياحة اللبنانية في باريس، بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشائه، وينتقل به إلى اليونسكو في باريس بدعوة من المركز استمراراً للاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية، وتكريماً للتراث الفينيقي العريق الذي انبثقت منه الأبجدية.

Ad

الناظر إلى لوحات الرسام شربل متى يلاحظ أن التجريدية تسيطر على عمله مع بعض التعبيرية، لذا يستخدم في تأليف اللوحة أجزاء من صور مختلفة، تقنية الكولاج، ضربات لونية واسعة، بهدف جعل الوعي في حالة تأهب ولفت الانتباه إلى التراث اللبناني الذي يتجه نحو دائرة النسيان، والوضع الدرامي الذي يواجهه لبنان المثقل بمشاكل المنطقة المحيطة به. أما الأبجدية فحاضرة في اللوحات من خلال كتابات، كلمات، مشوهة وملصقة ضمن أشكال تتناغم وتمنح التأليف ليونة وحركة...

منذ سنوات، تشكل الكتابة أساس عمله إلى جانب اللون والنور. إنها بحث مستمرّ في الماضي والحاضر، في التراث وفي أعماق النفس وفي قلب الحضارات لإعادة كتابة تاريخ الإنسانية بعيداً من الوحشية ومن الدم.

بحث عن النور

«كل حياتي بحثت عن النور» هذه العبارة للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه اعتمدها متى في لوحاته، حتى تلك التي تعكس واقع الحال في لبنان الذي ينوء تحت ثقل الأزمات التي تعصف بالمنطقة، وأدت إلى إعراض السياح عن زيارته، تزخر بضوء من الأمل الذي يتجلى في إبراز الكرامة الوطنية التي لم تنل الحرب منها واستمرت عبر العصور، وإشعاع الأبجدية الفينيقية على طول حوض البحر الأبيض المتوسط، فاتحة الباب أمام حضارات أخرى في المنطقة، وممهدة لتراث مشترك بينها.

من خلال «أبجدية»، يعالج شربل متى قضايا يعتبرها مهمة جداً، فيلقي الضوء على صدفة الموركس التي أعطت اللون الأرجواني (لوحة فينيقيا)، أسطورة أدونيس الذي بموته صبغ بالأحمر أزهار شقائق النعمان في نهر أدونيس أو نهر ابراهيم في شمال بيروت على الطريق نحو طرابلس، أسطورة أوروبا أميرة صور التي اختطفها الإله زوس، جمال روما الفينيقية (لوحات «قطع صغيرة» أو البقاع).

 ولم ينسَ تكريم أحد كبار المفكرين في لبنان سعيد عقل الذي افتخر طوال حياته بفنيقيته، أندريه شديد الشاعرة اللبنانية بالفرنسية التي ذاع صيت أدبها في |أوروبا (لوحة بلد مزدوج)، الأديب الفرنسي بيار بنوا (لوحة شاطئ).

مادة ولون

 

في السنوات الأخيرة برزت الكتابة في لوحاته، بهدف تحاشي الجمود والصلابة، واعتمد الكولاج، الأصباغ، كثافة المعجونة، ضربات مبالغة من خلال الإضافات بالسكين، ضربات فرشاة، قطع من الصور غير محددة أو مقتصرة، ألوان متناقضة ومبالغ فيها في مواجهة الأسود القوي... كل ذلك في خدمة رسم تجريدي يقوم على المادة وسمفونية الألوان، فضلا عن لوحات ذات أحجام كبيرة، لتكون لديه الحرية في الحركة والرسم بالزيت المتميز بحساسيته.  

ولد شربل متى في بلدة غزير في منطقة كسروان شمال بيروت عام 1973، سافر إلى فرنسا لإكمال دراسته الجامعية، وهناك اتجه إلى الفنون وتخصص في المعهد العالي للفنون الجميلة في بوردو حيث يعلم حالياً الرسم، وتاريخ الفن في جامعة بوردو الثالثة- ميشال مونتاين، ويحاضر في القضايا المختلفة المتعلقة بتاريخ الفن.

يحضر شربل متى معرضاً في ربيع 2015 في بوردو، بالاشتراك مع مدينة بوردو، وقد ينقل معرضه هذا إلى لبنان. أما في بلدته غزير فأنجز نصباً، وفاء لذكرى المؤرخ الفرنسي إرنست رينان، وآخر للرهبنة اليسوعية تخليداً لعملها في المنطقة، فضلا عن إعادة تأهيل طريق قديمة بناها الرومان في المنطقة التي كانت مركز التجارة في العالم القديم، وبناء متحف مخصص للتراث في غزير.