لماذا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي غير وطني؟

نشر في 25-02-2016
آخر تحديث 25-02-2016 | 00:01
من المستحيل التنبؤ حاليا بنتيجة استفتاء المملكة المتحدة المقبل حول عضوية الاتحاد الأوروبي، والذي سيعقد في 23 يونيو، وإذا كانت استطلاعات الرأي تشير إلى انقسام الناخبين بشدة، فمن الأهمية بمكان أن يقوم أعضاء حزب العمال،، بحملة نشيطة لاستمرار عضوية الاتحاد .
 بروجيكت سنديكيت إذا ظلت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي فستقود الولايات المتحدة والصين وربما الاتحاد الأوروبي عالم الغد، والواقع أن الحفاظ على عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي هو السبيل الوحيد لتأمين "مستقبل جدير بماضيها"، إذ جاء هذا الشعور مباشرة في خطاب فرنسي قديم حول السعي لتحقيق العظمة من خلال التكامل الأوروبي، وجاء هذا الكلام أيضا على لسان رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون.

فمن المستحيل التنبؤ حاليا بنتيجة استفتاء المملكة المتحدة المقبل حول عضوية الاتحاد الأوروبي، والذي سيعقد في 23 يونيو، وإذا كانت استطلاعات الرأي تشير إلى انقسام الناخبين بشدة، فمن الأهمية بمكان أن يقوم أعضاء حزب العمال، لا شركات حي المال والأعمال بلندن فقط، بحملة نشيطة لاستمرار عضوية الاتحاد الأوروبي.

وتحمل تجربة استفتاء أسكتلندا حول الاستقلال في 2014 دروسا مهمة للحملة، ففي الاستفتاء الأسكتلندي كان مفتاح تأمين النصر للمعسكر المؤيد لبريطانيا مزيجا من التحذيرات السلبية والحجج الإيجابية، وبعبارة أخرى يرتكز الخوف على مخاطر ذات مصداقية، كما أنه يلعب دورا مهما، وكذلك بعث الأمل في النفوس، مع الحملة التي تخاطب كلا من تطور النظام الدولي والشعور بالفخر الوطني لأغلبية المواطنين البريطانيين، ولحسن الحظ، فقد أدرك هذه الحقيقة براون الأسكتلندي الذي أدى دورا بارزا في تأمين عملية التصويت ضد الاستقلال.

ومن المثير للسخرية أن نلاحظ أنه من الصعب تمرير مثل هذا الخطاب في فرنسا في الوقت الحاضر، فعلى الرغم من أنها العضو الآخر الوحيد للاتحاد الأوروبي الذي يفكر بمنطق "القوة العظمى"، توجد فرنسا، على عكس المملكة المتحدة، في خضم أزمة ثقة خطيرة، قد أربكت بقية دول الاتحاد الأوروبي أيضا، وبالفعل حولت أزمة الثقة الأوروبية هذه أزمة اللاجئين الحالية إلى أزمة وجودية: وإذا فشل الاتحاد الأوروبي في استعادة السيطرة على حدوده الخارجية، فإن ذلك سيسبب نزاعات داخلية، مما سيهدد المشروع الأوروبي بأكمله.

وسط هذه الشكوك الواسعة، تعتبر الحركة التي قام بها براون بربط عضوية الاتحاد الأوروبي بالكبرياء الوطني حركة ثورية عمليا، لكن المنطق الذي يرتكز عليه النهج بسيط: كلما زادت سيطرة الشكوك الذاتية على الشخص زادت أهمية العودة إلى الأساسيات، فعندما نواجه تهديدات حادة وساحقة مثل الإرهاب الإسلامي والمغامرة الروسية والشعبوية الغوغائية، ستكون المبادئ والقيم الأساسية هي أفضل ملجأ، مع القليل من الحس السليم.

يجب على الأوروبيين أن يتذكروا أنهم ما زالوا يعيشون في أنظمة ديمقراطية لا تحترم الحقوق الأساسية لمواطنيها فقط، بما في ذلك الحق في التعبير، بل تتميز أيضا باقتصادات قوية مثل التي لدى معظم البلدان المنافسة لأوروبا. وعلى الرغم من أن لدى قادتهم عملا يقومون به بالتأكيد، مثل بناء مؤسسات أكثر فعالية وذات مصداقية، فإن الاتحاد الأوروبي لا يزال مصدر إلهام للآخرين، مثل اللاجئين الهاربين من الحرب والبؤس والصينيين الذين شيدوا المدن على النمط الأوروبي.

من أجل الحفاظ على نفوذ أوروبا الدولي، ومواصلة دعمها للسلام والازدهار المستمر في جميع أنحاء المنطقة، يتعين على الاتحاد الأوروبي معالجة أزمة الثقة الحالية الخاصة بها، وتحقيقا لهذه الغاية تحتاج أوروبا إلى نهضة أخلاقية لا تجد جذورها في التراث الثقافي المشترك للدول الأوروبية فقط، بل تجدها أيضا في القيم الديمقراطية المشتركة. ويجب تعزيز هذه الحركة من خلال القناعة أن التكامل الأوروبي والكبرياء الوطني يعززان بعضهما ولا يتنافران، إنها وجهة نظر تفترض وجود دول وطنية واثقة وقوية وفي الوقت نفسه مفتخرة بتراثها الفردي كما بتراثها المشترك.

وهنا بإمكان "أم الديمقراطيات" أن تنير الطريق، ففي المناشدة الوطنية البريطانية لتعزيز دعم التكامل الأوروبي يراهن براون على ثقة المملكة المتحدة بنفسها، وبجوهرها الديمقراطي، وبأدائها الاقتصادي، وعلى هذا الأساس فقط يمكن للبلاد أن تساهم بإرادة قوية وبشكل بناء وبدون خوف مع بقية أوروبا.

ولهذا السبب فإن الحملة ضد "الخروج من الاتحاد الأوروبي" التي تركز فقط على الآثار الاقتصادية والمالية، التي هي معقولة لا شك، لا تفي بالغرض: فهي لن تعزز الثقة البريطانية. والأسوأ من ذلك، إذا كان الفشل في النظر إلى المصالح هو بمثابة رفض مواجهة "العالم الحقيقي" فسيكون إغفال جانب القيم شيئا غير ديمقراطي، وقد قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمثل هذا الأمر.

وتتزامن الأزمة الأوروبية مع مرحلة صعبة على الصعيد العالمي، فالولايات المتحدة في خضم تحول سياسي غير مؤكد بشكل كبير، وتشهد روسيا مسلسل المراجعة التاريخية، كما تواجه إفريقيا مجموعة من  التحديات التنموية إلى جانب الانفجار الديمغرافي، وأصبح الشرق الأوسط فضاء للفوضى والصراعات الدموية، وفي هذا السياق نرى أن الشيء الأكثر وطنية الذي يمكن أن يقوم به الناخبون البريطانيون هو مضاعفة التزامهم بتحقيق التكامل الأوروبي، نأمل أن يستطيع براون وزملاؤه إقناعهم في الوقت المناسب.

* دومينيك مويزي | Dominique Moisi ، أستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، ومؤلف كتاب سيصدر قريبا بعنوان "الجغرافيا السياسية للسلسلة أو انتصار الخوف".

«بروجيكت سنديكيت بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top