رواية «خزانة الظلال» للكاتبة اللبنانية هيام يارد الصادرة بالفرنسية، وجدت طريقها إلى مسرح مونو، عبر أداء تفاعلي يقوم على الارتجال الجسدي المسرحي، تجهيز فيديو وحركة، بطلته هذه الممثلة (نادين سوريس، إخراج كلار بروس) التي تركت ظلالها خارج عتبته، وراحت تحكي أخباراً حول ظلالها وحياتها في لبنان.

لم يكن الجمهور الذي قصد مسرح مونو لحضور هذا العرض، مجرد جمهور، بل شارك في اللعبة المسرحية، اكتشف فضاء المسرح وكواليسه، وتحوّل شيئاً فشيئاً إلى جزء من عالم هيام يارد الذي تكبّله ظلال العادات والتقاليد والظروف، ولعبة الزمن التي تسحق كل من حولها تاركة الذكريات علامات تبرز في صورة أو دمعة على جدار أو في حكاية...

Ad

حركة وارتجال

أمام الجمهور تكشف الممثلة الظلال مرتجلة حركات ومواقف انطلاقاً من كل واحد منها: غريتا العاهرة، منى الشريرة... يرافق كل ذلك تمرد الممثلة على والدتها، المتمسكة بالتقاليد ولا أمل في خروجها منها. وبينما توشك على الانهيار في هوياتها المتعددة، ترسم صورة حية عن المجتمع اللبناني حيث لا مساحة للناس لا سيما المرأة.

رواية «خزانة الظلال» ترصد غير المرئي والغريب وتقدم رؤية لعالم يسوده العنف والاستغلال والخراب.

المكان الذي تقدم فيه المسرحية هو نفسه، مسرح قديم يعود إلى عشرينيات القرن الماضي. الممثلة نفسها لم تتغير. السيناريو نفسه ويتكرر كل يوم، يبدو ان كل شيء مرتجل، حتى الصمت. قصة ظلال، أحذية وخزانة} (خزانة الظلال ، هيام يارد). رويداً رويداً يتسلل ظل بين المقاعد في مسرح مونو وسط فراغ وصمت، قبل دخول الجمهور إليه. تشيع نادين سوريس نظرها في أرجائه، يهرب ويعود إلى الظهور. تملأ اسرارها الفضاء المسرحي الغارق في الظلمة. تضفي على أدائها بعضاً من تجربتها الحياتية، فهي كندية يخيم برد كندا على حياتها في لبنان، حيث تزوجت واستقرت منذ 5 سنوات.

تجد نادين سوريس نفسها في رواية هيام يارد، فقد لمست الرواية عمق الفراغ الذي عاشته في طفولتها، بسبب عدم الاستماع إليها، وأرادت صياغة كل ذلك على المسرح حول «خزانة الظلال»، فهي تؤدي دوراً غير موجود، امام جمهور غير مرئي ومخرج غائب يجعلها تتكلم... قد تكون قصة هذه المرأة هي قصة المسرح الذي يخبئ بين حناياه ظلالا وظلالا من البشر والتاريخ...

ذاكرة الحرب

خزانة مليئة بالظلال، قصص نساء، قصص عن والدتها، عن ماضيها، قصص حزينة، مؤلمة تتردد وتوقظ صراخأ، دموعاً وصمتاً مألوفاً.

في عيني نادين سوريس ظل امرأة حامل وتتوالى ظلال أخرى، لنساء مكبلات بالتقاليد، وأسرى اوضاعهن، أمهات منفصلات عن أولادهن، وأسئلة لا أجوبة لها حول دور المرأة في المجتمع الشرقي، والظلم الذي لحق بها نتيجة المجتمع الذكوري.

اكتشفت نادين سوريس هذا النص الذي يتكلم عن كل هذه الأمور وشعرت أنه مكتوب لها، منذ سنتين تسكنها هذه القصة. عاشت هذه التجربة على مدى اربعة ايام، ودعت الجمهور إلى التنقل في أرجاء المسرح، ومشاركتها شخصيات هيام يارد.

من خلال هذه القصص يبرز فقدان الذاكرة، ذاكرة الحرب في لبنان التي تطرقت إليها الرواية. عاشت الممثلة حربها الداخلية، نسيت قصصها واندمجت مع فقدان الذاكرة. تعبر نادين سوريس بلغة الظل، لغة غامضة ومرتجلة، تتكلم مع الجمهور عبر أداء جسدي حركة ومرتجلة، وتفاعلية، وتشير إلى مسؤولية الفنان {كل فعل فني هو سياسة}، مسار مصنوع من صور جمعتها من حولها، كما لو انها تود التقاط ظلال غير مرئية، تحوم وترقص حولها. لم تتوقع أن تعيد تجسيد المواقف بشكل ينبض بالحياة، لذا تخلت عن النص واخذت الصور، فانهار الجدار بينها وبين الجمهور الذي عاش تجربة حسية ... تأتي الظلال لتخبر عن الماضي بمزيج من الحقيقة الذي يلامس الخيال.

خلسة نلمس الفراغ الذي عاشته نادين في طفولتها، وتأثير الرواية عليها، فهي سكنتها على مدى سنتين تقريباً إلى أن قررت تقديمها بهذا الشكل بعدما تخمرت أفكارها في عقلها وذهنها وأيقظت لديها الرغبة في الكلام حول المآسي والمظالم الشخصية والاجتماعية، واكتشفت انها بدورها مكبلة بظلال لا تستطيع الخروج منها.