على عكس الكثيرين، ممن يكرهون سيرة الموت، وينفرون من الحديث عنه، ولا يُقبلون - بالتبعية - على مشاهدة الأفلام التي تقترب منه أو يُخيم على موضوعاتها، أجد نفسي منجذباً إلى الأفلام التي {يقوم الموت ببطولتها}، ويُضفي عليها الكثير من المتعة بأكثر مما يفعل نجوم كبار، خصوصاً عندما يُدرك المخرج أن وجود الموت لا يعني قتامة الأحداث أو نقل الإحساس بالتشاؤم إلى الجمهور، وتركه في حال من الانقباض والاكتئاب، وإنما يصنع مزيجاً مُدهشاً من الرصانة والشجن والهيبة والوقار!

Ad

  فيلم {السقا مات} (1976) واحد من الأفلام التي لم أر فيه كآبة من تلك التي تحدث عنها البعض، ورأيت أن المخرج الكبير صلاح أبو سيف كان مُحقاً عندما أصرّ على تحويلها من رواية صدرت طبعتها الأولى في العام 1952، وتُعد واحدة من أفضل روايات الأديب يوسف السباعي، إلى فيلم سينمائي تحمس المخرج الكبير يوسف شاهين لإنتاجه، مع الشركة التونسية للتنمية السينمائية والإنتاج، فالفيلم الذي كتب له السيناريو والحوار، وتدور أحداثه في عشرينيات القرن الماضي، لا يتحدث عن {شوشة} السقا الذي ماتت زوجته، وصار يخشى الموت، ويتجنبه، وتفرغ لتربية ابنه، ورعاية أم زوجته، وإنما نحن حيال حديث عن فلسفة وحكمة الموت، الذي لا يعني نبذه والهروب منه، والخوف من بطشه المفاجئ، بل مواجهته وتحديه، كما أن ثمة إشارات لها مغزى، على لسان الطفل في الفيلم، عن الحلال والحرام، والصراع بين الفقراء والأغنياء!

اللافت أن المخرج يوسف شاهين، الذي تحمس لإنتاج فيلم {السقا مات}، واكتفى بإنتاجه، واجه الموت مرتين على الشاشة، إحداهما في فيلمه الأول {بابا أمين} (1950)، الذي تعامل فيه، بجرأة بالغة، مع الموت، وقدمه بشكل {فانتازي}، من خلال الأب الذي يباغته الموت لكن روحه تعود لمتابعة أحوال عائلته، التي تتدهور بعد رحيله، قبل أن يستيقظ من سباته الطويل. فالموت عند يوسف شاهين كاشف لخبايا النفوس، وراصد للنوايا والضمائر، بينما يبدو النوم {بروفة} للموت، وفرصة لتدارك الأخطاء، وهو الدرس الذي يتكرر بصورة أخرى في فيلم {حدوتة مصرية} (1982)، حيث البطل الذي يُجبر على إجراء جراحة خطيرة في القلب كادت تُنهي حياته، وفي {البرزخ} الواصل بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، لا تبدأ مرحلة الحساب على ما أسلفه في حياته فحسب، وإنما تبدأ محاكمة وتعرية، لا تخلو من سخرية وقسوة، من نفسه والجميع من حوله،  ويصل في ذلك إلى ما بعد مرحلة جلد الذات، فالبطل المستلقي على الفراش، وتمتد منه وإليه الأنابيب الأخطبوطية، هو يوسف شاهين، وفي رواية أخرى يوسف إدريس كاتب القصة، فالاثنان واجها الموت في عملية جراحية مماثلة بالقلب، و{شاهين} وجدها فرصة لاستكمال سيرته الذاتية، التي بدأها في فيلم {إسكندرية ليه} (1979)، وبدأ معها رحلة البحث عن إجابات شافية للأسئلة الحياتية التي تؤرقه!

المخرج رضوان الكاشف بدوره اقترب من الموت في فيلم {عرق البلح} (1998) من خلال شخصية الجد، الذي أدرك عبثية حياته في قرية رحل عنها أبناؤها، وكادت غربة الداخل تقتله، فما كان منه سوى أن اختار الرحيل، والإبحار وحيداً في الصحراء المترامية، ليحتضر بعيداً عن العشيرة التي طالما رأت فيه الرمز والقدوة والهيبة، وأبى أن يبدو أمامها ضعيفاً قليل الحيلة، وهي مواجهة أخرى غير تقليدية بين السينما والموت، إذ دأب كتّاب السينما على تقديم معالجة واحدة تقريباً للموت الذي يأتي في صورة مرض عضال، ومع تقدم الطب تحول على الشاشة إلى أزمة قلبية مفاجئة أو سكتة دماغية مباغتة غالباً ما ينجو منها البطل، على عكس المعالجة الإنسانية والواقعية الناضجة للمخرجة هالة لطفي في فيلم {الخروج للنهار} (2012)، إذ جعلت العلاقة وثيقة بين الفقر والموت، وساقت الأسباب التي تقود حتماً إلى النتائج، فالأم الممرضة وابنتها الشابة التي لا تجد عملاً، لا يملكان المال الذي يكفي لشراء مرتبة طبية تقي الأب المشلول شر التقيحات الناتجة عن نومه الطويل من دون حراك، والأب من ناحيته يشعر بثقل المسؤولية التي ألقاها على كاهل زوجته وابنته فيتخذ قراراً بالإضراب عن الطعام، والامتناع عن تناول الدواء، وفي كل ركن من الشقة المتواضعة يطل الفقر برأسه، ويتحدى الموت على استحياء، فالموت في {الخروج للنهار} لم يعد الشبح أو {البعبع}، الذي يثير الرعب، كما جرت العادة، بل هو الرفيق، وربما بات يمثل الحل لأزمة مستعصية أو الخلاص من واقع مأزوم!

أحدث فيلم يأتي الموت في خلفيته هو فيلم {في يوم} (2015)، الذي يُشارك مخرجه كريم شعبان في مسابقة {آفاق السينما العربية}، ويروي قصة ستة أشخاص يشعر كل واحد منهم بغصة، نتيجة ضياع الأمل، وفقدان الإحساس بالأمان، واليأس من واقع لا يوفر الحياة الكريمة، ويبدو الكل معلقاً بخيوط في الهواء، ونؤجل الحديث عنه إلى ما بعد عرضه في المسابقة!