الموت طلباً للحياة

نشر في 24-09-2015
آخر تحديث 24-09-2015 | 00:01
 بروجيكت سنديكيت  كنت طبيباً شاباً أعمل في وحدة الطوارئ بمستشفى أولا دورينغ للأطفال في سيراليون عندما نصحت والدة طفلة تعاني إصابة شديدة بمرض الملاريا بأن تكذب كذبة سافرة، فقد كانت ابنتها مرياما في احتياج إلى نقل دم لإنقاذ حياتها، ولكن الأم لم تكن تملك المال اللازم لتغطية تكاليف الفحوصات وتعويض المتبرع بالدم، والواقع أنني رأيت العديد من الأطفال يموتون في حين يبذل آباؤهم مساعي محمومة لإيجاد الأموال اللازمة.

وكنت عاقداً العزم على إنقاذ حياة مرياما، فطلبت من والدتها أن تعود إلى بيتها وتعلن وفاة ابنتها، وكنت أعرف أن هذا من شأنه أن يثير تعاطف أقاربها، وأنهم سيجمعون معاً مواردهم الشحيحة لضمان جنازة لائقة للطفلة، ووافقت الأم، وعندما عادت بعد ست ساعات، وضعت على الطاولة قدراً كافياً من المال لتغطية تكاليف الرعاية بمرياما: نقل الدم والعلاج من الملاريا والديدان، وبعد بضعة أيام، قررت صرف الطفلة ذات الأربعة أعوام، التي كانت لا تزال ضعيفة ولكن في طريقها إلى التعافي من المستشفى.

رغم أن مرض مرياما لم يدفع أقاربها إلى التحرك للمساعدة، فإن خبر وفاتها كان كافياً لحملهم على ذلك، وقد حدث الأمر نفسه على نطاق أوسع أثناء اندلاع وباء الإيبولا في غرب إفريقيا.

من المعتقد أن الوباء اندلع أولاً في مناطق الغابات في غينيا في ديسمبر من عام 2013، ثم انتشر تدريجياً إلى سيراليون وليبيريا، ووقف المجتمع الدولي موقف المتفرج في حين كان المرض يعيث فساداً في البلدان الثلاثة، فيهلك القرى، ويمحو أسراً بأكملها، ويتسبب في توقف الاقتصاد تماما، ولكن في مستهل الأمر، لم يلفت الوباء قدراً كبيراً من الاهتمام، وكان المجتمع الدولي راضياً بتجاهل الحقيقة، إلى أن أصبح الوباء منتشراً على نطاق واسع إلى الحد الذي جعلهم غير قادرين على الاستمرار في تجاهله، ولكن بحلول ذلك الوقت كان الأوان قد فات لتفادي كارثة كبرى.

وحتى الآن، لا نزال نتعرف على المدى الكامل لكارثة الإيبولا في غرب إفريقيا، فخوفاً من الإصابة بالمرض، أغلِقَت المدارس، ولزم الطلاب والمدرسون منازلهم، والواقع أن العديد من العمال والموظفين أيضاً لزموا بيوتهم، الأمر الذي أدى إلى توقف المطاعم والحانات والفنادق عن العمل فتوقف الاقتصاد تماما، وخسر نحو نصف العاملين في القطاع الخاص وظائفهم، وأدت العزلة التي فرضها المزارعون على أنفسهم إلى انخفاض الناتج الزراعي بنسبة 30%.

وتوقفت حياة الناس الاجتماعية أيضا، وفُرِض الحظر في العديد من المناطق، الأمر الذي أدى إلى تثبيط حركة السفر لمسافات طويلة، وفي العديد من البلدات، كان استقبل زائر في منزلك يعني خطر تحمل غرامة ثقيلة.

ورغم هذا، انتشر المرض إلى المناطق الحضرية، ومثل النار تندلع في الهشيم، اجتاح المرض الدول الثلاث وامتد إلى غيرها من الدول، وحتى يومنا هذا تم الإبلاغ عن أكثر من 8500 حالة إصابة بالعدوى و3500 وفاة في سيراليون وحدها.

ولعل قطاع الصحة كان الأشد تضررا، فبعد وفاة أكثر من 220 من العاملين في مجال الرعاية الصحية، لم يعد هناك سوى 3.4 عمال صحيين ماهرين لكل عشرة آلاف مواطن، ومع تصاعد الخوف من الإيبولا، توقف العديد من المواطنين عن استخدام الخدمات الصحية، الأمر الذي انعكس في انخفاض عمليات الولادة في المستشفيات والعيادات بنسبة 23%، وانخفاض عدد الأطفال الذين يتلقون التطعيمات والتحصينات الأساسية بنسبة 21%، وانخفاض عدد الأطفال الذي يتلقون العلاج من الملاريا بنسبة 39%. ونتيجة لهذا، شهدت هذه البلدان عودة أمراض يمكن الوقاية منها بالتطعيم إلى الظهور، فضلاً عن الملاريا، والوفيات بين الأمهات والأطفال، وسوء التغذية الحاد. وهذا يعني أن الأسوأ لم يأت بعد.

ولكن سيراليون تستجمع قواها، وقد شرعت في تنفيذ خطة للتعافي تمتد عامين، وتتلخص الأولوية الأولى في خفض عدد حالات الإصابة بالإيبولا إلى الصِفر، والبقاء عن ذلك المستوى، وهذا يعني تغيير الظروف التي سمحت للوباء بالانتشار بهذه السرعة في المقام الأول.

تتمثل الخطوة الأولى بإعادة بناء نظام الرعاية الصحية، وتتطلب الخطة استعادة خدمات الرعاية الصحية في أربعين مستشفى و1300 مرفق للرعاية الصحية الأولية في مختلف أنحاء البلاد، حتى يتسنى للأطفال والأمهات الحصول على الرعاية الأساسية المجانية، واللقاحات، والعلاج من أمراض مثل السل، ونقص المناعة البشرية المكتسبة، والملاريا. فضلاً عن ذلك، ومن أجل تعزيز السلامة واستعادة الثقة بنظام الرعاية الصحية، تدعو الخطة إلى ممارسات أفضل في مكافحة العدوى وتدريب كوادر جديدة من العاملين المهرة، وهي تتضمن التعاون بشكل أوثق مع الجمعيات المجتمعية، والتي ينبغي لها أن تشارك في مراقبة الأمراض والتصدي لها.

إن التعافي من وباء الإيبولا لن يكون سريعاً أو سهلاً أو رخيصا، ففي سيراليون وحدها، من المتوقع أن تتكلف مرحلة التعافي نحو 1.3 مليار دولار، لم يتم جمع 896.2 منها إلى الآن، ولغلق الفجوة فإننا في احتياج إلى المساعدة من شركائنا الأفارقة والمجتمع الدولي.

قبل عدة سنوات، ومن دون الاستعانة بكذبة، كانت مرياما ستموت، واليوم نحن لا نحتاج إلى كذبة، بل نحتاج إلى التزام حقيقي، وتواصل مفتوح، ومساءلة متبادلة، على المستويات المحلية، والوطنية، والإقليمية، والعالمية، فقد رأينا بالفعل كيف قد يؤدي الافتقار إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية إلى تدمير أي بلد، وحصد أرواح الآلاف من البشر، وتحطيم حياة آخرين كثيرين.

لقد وقفنا معاً كأبناء بلد واحد للتغلب على الإيبولا، ونحن عازمون على منع الأوبئة في المستقبل، وبالاستعانة بالدعم الدولي المستمر، سنفعل ذلك على وجه التحديد.

صامويل كارجبو

* مدير الأنظمة الصحية، والسياسات، والتخطيط، والمعلومات في وزارة الصحة والصحة العامة في سيراليون، وهو زميل برنامج أصوات جديدة التابع لمعهد أسبن لعام 2015.

«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top