في ظل التهويل بشأن نقص الشؤون المادية، واضطراب الاقتصاد العالمي، والتذبذب في استقرار الدولار، والهلع الذي ينتاب الكثير من متداولي البورصة والأسهم والذهب والنفط وغيره، والكل يبدو خائفاً على رزقه يترقب! لا يمكنني أن أقول إلا ما قاله ربي عز وجل: "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ".

Ad

 قبل أيام بعث لي ابن أخي على "الواتس آب" وهو مسافر يقول لي أرجو الاحتفاظ بعيديتي لحين عودتي؛ لأن للعيدية، كما هو معلوم، طعماً خاصاً، ولاسيما للفتية الصغار، جلست أتأمل في طريقة تفكيره بخصوص المال والتربية المالية التي تلقيناها والثقافة المالية المنتشرة بين أوساط مجتمعاتنا، فوجدت خللاً كبيراً في ما تلقيناه بعقلية الندرة المالية، وذلك بأننا نكرس كل جهدنا ووقتنا لتحصيل حفنة ضئيلة من المال لا تكاد تلبي جميع احتياجاتنا حتى نهاية الشهر، وهذا ناتج عن الفكرة المزروعة لدينا عن المال، والفكرة المزروعة تجاه الأغنياء، وكيف ينعمون بالمال مع إبداء مشاعر السخط تجاههم بسبب ما زُرع، وكثير من الاعتقادات الخاطئة تجاه المال، مما جعلنا نواصل نفس العملية على أبنائنا ونشعرهم بالنقص وأن المال صعب أن يأتي أو أنه يأتي بمجهود ووو....

بعد أن قرأت كتاب "الأب الغني والأب الفقير"، وأنصح بشدة بقراءته، اتضح لي أن هناك مفاهيم خاطئة كثيرة امتلأت بها أدمغتنا وعلينا تصحيحها؛ فمن القواعد التي وردت في الكتاب أن الأغنياء لا يعملون من أجل المال، بل يجعلون المال يعمل من أجلهم! وهذه القاعدة بحد ذاتها تجعلنا نعود لأنفسنا وللآية السابقة التي ذكرتها، وتأتي مسألة الإيمان بوجود الوفرة المالية في حياتنا، ولا يعني ذلك عدم العمل، فعلينا العمل لا للمال بل للمتعة والحب والنشاط والحركة بركة، ونؤمن أن كل ما في الكون مسخر لنا، فنشكر الله على كل نعمه الوفيرة، ونمتن لله كل يوم ونحمده على أن جعل الكون كله مسخراً لنا.

الإيمان بالوفرة في كل شيء من حولك بالمال، بالسعادة، بالحب، بالجمال، بالسلام، وبالعطاء، فكلما أعطيت أعطاك الله من فضله وبركاته، هذا ما يجب أن نتحلى به كشعوب مؤمنة ولا نخشى الفقر؛ لأن من خشيه جعله الله بين عينيه، وهذا ما أوصي به نبينا، صلى الله عليه وسلم بلالاً، رضي الله عنه، إذ قال: "أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً"... هكذا يجب أن نؤمن بأنه ما نقص مال من صدقة، وعندما نتصدق لا تكون النية (حتى لا يقصر علينا) هذا خطأ، لذلك تجد أنه قصر عليك مالك، بالعكس أعطِ بنية إدخال السرور، أعطِ بنية أن يزيدك الله من فضله، وسترى الزيادة في المال والأولاد والسعادة والراحة.

القاعدة الثانية من الكتاب تقول: تعلم الفرق بين الأصول والخصوم، فالأصول هي الأشياء التي تضع المال في جيبك، بينما الخصوم هي الأشياء التي تخرج المال من جيبك، أي من الحكمة أن تضع مالك في الاستثمار كشراء قطعة أرض أو يكون لك أسهم في شركة ما أو تكون لك ملكية فكرية -اختراع ما- يكون لك دخل آخر، بينما الخصوم هي كل ما تضعه في بطاقة ائتمان، من قروض وأقساط، مما يعرضك للافلاس والوقوع في دائرة الفقر.

 القاعدة الثالثة، وأنت في وظيفتك هيئ لعملك الخاص ولا تتعد الثلاثين دون الدخول في مشاريعك الخاصة والفشل بها مرة بعد مرة، حتى تصقل خبرتك، ولا تصرف مرتبك بالكامل، بل اجتهد في شراء عقارات، محافظ استثمارية، ومعادن نفيسة تعود عليك بأرباح تنعم بها.

أخيراً، أهم عامل من عوامل الوفرة ذكر الله، اجلس بعد صلاة الفجر مردداً: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) مئة مرة، وتخيل ذلك الكنز الذي يعادل أضعاف أضعاف الكون، فأنت في ثراء لا يعلمه إلا الله، ووفرة مالية تفوق كنوز العالمين.