نديم أصفر ليس فناناً يعبّر بواسطة الصورة الفوتوغرافية والفيديو فحسب، بل يغوص في أعماق التضاريس العقلية باحثاً عن معنى لكل شيء، تتميز صوره الفوتوغرافية بأنها تتجاوز المادة السريعة الزوال المتعلقة بالعالم والوقت وتتوق إلى تخليد اللحظة، لحظة الجمال، لحظة الدهشة... وقد عرضت صوره في باريس، متحف نيويورك، برلين، مارسيليا، بيروت...

Ad

تخليد العظمة

« الياسمين يزهر دائماً في هذه البقعة من الأرض، لم أعد اقوى على مغادرة الغابة»، هكذا وصف نديم اصفر غابة الأرز في شمال لبنان عندما زارها للمرة الأولى. ولد عام 1976، كان أصفر في الخامسة عشرة من عمره عندما انتهت الحرب رسمياً في لبنان، وفُتحت المناطق على بعضها البعض، فاغتنم الفرصة وقصد غابة الأرز في بشري مسقط رأس جبران خليل جبران التي سمع عنها وقرأ حول عظمتها في الكتب من دون أن يستطيع رؤيتها، بعدما طلب من والده شراء كاميرا له.

هكذا انطلق في التصوير الفوتوغرافي، محاولا اكتشاف البعد الآخر من المشهد، والتعمق فيه والتقاط أدنى تفاصيله. لذا يتكرر المشهد الواحد في صورة مرات ومرات، لأن في كل صورة تفصيلا جديداً يختلف عن باقي الصور، فهو أراد الحفاظ على جماليات هذه الطبيعة وحمايتها من الزوال والاندثار، لذا اقبل عليها كشخص نهم، يكتشف للمرة الأولى سحر الأماكن والمواقع وعراقتها التي تعود إلى آلاف السنوات.

دهشة وتفاصيل

في إحدى المرات سألته والدته عن معنى هذا التكرار فكان جوابه أن دهشته أمام المنظر الطبيعي تحتّم عليه ألا يترك أدق التفاصيل تفلت منه، هكذا عندما ولج غابة الأرز في بشري، لم يعد بإمكانه مغادرتها بعدما سكنه هذا الإبهار بما تراه عيناه من شموخ وعظمة يتجليان في شجر الأرز الخالد الذي يعود إلى مئات من السنين.

في البدء، كان معنى ما يفعله غريباً، ومن دون أن يدرك اعتمد هذه الطريقة، وخصص معطم أعماله في السنوات الأخيرة في رسم الجبال، غايته في ذلك الحفاظ عليها بصورتها الطبيعية خوفاً من ان يزحف العمران إليها ويشوه المنظر الطبيعي فيها. "الفن يحافظ على الجبال وهذا هو الشيء الوحيد في العالم الذي يحفظ”، وكتب دولوز مرة. وبناء على هذه القناعة، يقول أصفر إن ثمة صوراً من الحاضر يحب التقاطها فوراً ، إنها حاجة ملحة لمواجهة خطر يتمثل في أن المشهد قد يزول ولا يتكرر.

دافع نديم اصفر رومانسي وفي الوقت نفسه عدواني تجاه من تسوّل له نفسه العبث بالطبيعة. لذا يقطع باستمرار لبنان من الشمال إلى الجنوب وعلى طول الحدود الشرقية. كل مكان يصوّره هو مسمر على خارطة الأقمار الصناعية.

من جبل صنين إلى جبل موسى، من أرز جاج إلى اللقلوق إلى العاقورة القبيات، جبل الشيخ ، بحيرة القرعون، الضنية، شبعا، من أيطو إلى دلبتا إلى حردين ، الوادي المقدس، جبل المكمل، جبل حرمون... يتحوّل الجبل في هذه الأماكن إلى كائن يتنفس، نشعر نبضه من خلال حركة الهواء حوله.

حوار طويل
من عرض البحر إلى قمة الجبل، إنه حوار طويل بين الأشكال والصور المألوفة. هذا هو لبنان بحق، مشهد دائم التفاعل مع كل ما يحيط به من عوامل بيئية وزمنية ومكانية، وفي هذا الإطار يتساءل الفنان كيف يمكن الإفراج عن المشهد من سطوة الإنسان؟ من هنا يأتي عنوان معرضه {أنتهي أنا عندما تبدأ أنت}، أي البقاء بعيدا للسماح للمشهد بأن يحقق حضوره في حد ذاته، بشكل خال من الذاتية ومن الأنانية التي تدفع الإنسان إلى التلاعب بالطبيعة وفق أهوائه ومصالحه، ما يؤدي إلى تشويهها وزوالها في معظم الأحيان.