ما أتفهنا ونحن نحاول بحماس نتيجته معروفة أن نثبت لأنفسنا قبل من نريد تبشيع تجاربهم الإنسانية أننا متساوون معهم أو ربما أفضل في مجال حماية حقوق الإنسان.

لقد فعلها السيد ترامب وبدأ بتنفيذ وعوده الانتخابية التي لا تشبه أميركا موطن الحرية والفرص للجميع، ومن قبله بدأت أوروبا الغربية في الغرق في مستنقع تنامي أحزاب الانعزال والعزل، نعرف كل ذلك والقادم قد يكون أسوأ مما نتخيل في مناطق كانت ملاذا آمنا لكل خائف وطموح ومبدع لم يجد في وطنه ما يدفعه لمواصلة العيش فيه.

Ad

نعرف كل ذلك ونعرف أيضاً أن من يحمل لواء السخرية من أوروبا، وهي تعيش حالة الارتباك بين تطبيق نصوص العدالة والحرية والمساواة، وبين النفوس التي امتلأت بالذعر والكراهية والتوجس، غارق حتى أذنيه بكل السوء والازدواجية والوقاحة في معايرة من اجتازوا أعلى الحواجز النفسية في مواجهة سلطة الكهنوت والوصاية والخضوع لكل ما يخالف العقل، وفي مواجهة السلطات المطلقة لبشر لا يحملون صفات خارقة للعادة.

هل تعرفون ما الفارق بيننا وبين الأمم التي يتشفى بعضنا في ديمقراطيتهم؟ إنها بكلمتين "آليات التصحيح"، نعم إنها تعني المؤسسات، وأولها القضاء والأجواء الواسعة للتغيير، وأعني بها المناخ الحر الذي يكفل للفرد والبرلماني والجماعة والمجموعة والحزب والصحيفة والقناة وغيرهم أن يقول لترامب وتيريزا ماي وهولاند وميركل "... فيكم وفي إجراءاتكم"، إنهم يملكون وسائل التغيير السلمي التي لا نحلم بامتلاك ذرة منها في بلداننا.

لقد تفوقوا علينا عندما حرروا عقولهم من أغلال التخلف، وخاضوا في تجاربهم الإنسانية المجنونة، وآخرها حربان عالميتان، وفي الوقت نفسه حققوا آلاف المنجزات العلمية والتكنولوجية، وبرعوا في تقوية آليات التصحيح التي تمنعهم من الوقوع في تكرار الخطأ نفسه مرتين، واليوم هم يعيشون تجربة جديدة مع الكراهية وتنامي خطاب الشعبوية، ستأخذ وقتها ثم ما يلبث إرثهم الإنساني أن يتجاوزها ويتفوق عليها وعلينا، ونبقى نحن على حالنا نجتر الماضي ونحسب على الشطار أخطاءهم دون أن نقدم أي بديل أو مساهمة مؤثرة.