الحاجة إلى محكمة جنائية بيئية دولية

نشر في 07-06-2017
آخر تحديث 07-06-2017 | 00:11
منذ عشرين عاما أنشئت المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وينبغي لمحكمة مماثلة أن تفعل الشيء نفسه فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة ضد البيئة والمدافعين عنها.
 بروجيكت سنديكيت إن الإعلان عن الفائزين بجائزة غولدمان البيئية لهذا العام هو فرصة للاحتفال بالقادة الناشطين، لكنها أيضا لحظة للاعتراف بالشجاعة التي يمكن أن تتطلبها جهودهم "وتلك التي يقوم بها عدد كبير جدا".

عندما فزت أنا وصديقتي العزيزة بيرتا كاسيريس بالجائزة في عام 2015، قالت بيرتا في خطاب قبولها: "لقد وهبت حياتي لخدمة أمنا الأرض"، وبعد فترة وجيزة اغتيلت بيرتا في هندوراس، فقصتها مأساوية لكنها ليست فريدة من نوعها، وفي الواقع وبعد أشهر قليلة قتل إيسيدرو بالدينيغرو لوبيز بالرصاص، وهو أيضا حائز جائزة غولدمان البيئية.

واليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى لتكون ناشطا بيئيا، حيث العنف المنتشر ضد المدافعين عن البيئة، والاحتجاجات على خط أنابيب الوصول لداكوتا في الولايات المتحدة نموذجا، وقد اتهمت الشرطة باستخدام القوة المفرطة في محاولة لتفريق أفراد قبيلة الحجر الصامد "سيوكس" وأنصارهم الذين قالوا إن المشروع سيلوث المياه ويضر بمواقع الدفن المقدسة.

ولحسن الحظ لم يقتل أحد أثناء تلك الاحتجاجات، ولكن في أماكن أخرى وفي الديمقراطيات الأكثر هشاشة يدفع الناشطون البيئيون الذين يواجهون الملوثين حياتهم ثمنا لذلك، وقد أكد تقرير الشاهد العالمي وقوع 185 جريمة قتل في 16 بلدا في عام 2015 وحده، وهذا يعادل ضِعف عدد الصحافيين الذين قتلوا في تلك السنة.

وإن تجربتي الخاصة تبرز المخاطر التي تواجه الصليبيين البيئيين، فعلى مدى ثماني سنوات تعرضت بلدتي في كينيا الريفية، أوينو أوورو، للتسمم بالرصاص السام الناجم عن عمليات المصاهر المرخصة من الدولة. إن مقياس منظمة الصحة العالمية للتسمم بالرصاص هو خمسة ميكروغرام لكل عشرة ليترات، وكان أعلى مستوى من الرصاص المسجل في أوينو أوورو هو 420 ميكروغراما لكل عشرة ليترات، وفي حالة تلوث عالي الانتشار في فلينت، وميشيغان، كانت الاطلاعات تبلغ 35 ميكروغراما لكل عشرة ليترات.

عندما اكتشف أهل بلدتي أننا كنا نتعرض للتسمم ناضلنا ضد هذا الوضع، وراسلنا الحكومة ونظمنا احتجاجات سلمية، وبدعم من أهل بلدتي أسست مركز العدالة والحوكمة والعمل البيئي (CJGEA) لإلزام الدولة والشركات بتحمل مسؤولية ضمان بيئة نظيفة وصحية.

وفي فبراير 2016 توجه المركز إلى المحكمة للتظلم عن ست هيئات حكومية وشركتين، لكن لم يُتخذ ضدها أي إجراء، وبعد عام واحد عندما نشرنا إشعارات عامة في الصحف المحلية عن نيتنا مقاضاة هاتين الشركتين حدثت فوضى كبيرة.

وعلى الرغم من اغتيال بيرتا وإيسيدرو وكثيرين آخرين، لم أكن أدرك تماما خطر تحدي عملية قوية تدعمها الحكومة، ومؤخرا تلقيت مكالمة هاتفية تقشعر لها الأبدان تحذرني لحماية ابني جيدا، وقد تعرض نشطاء البيئة للهجوم داخل البلدة وكانت منازلهم محاطة بعصابات تحمل المناجل، وقد اختطف ابن حليف مهم- على يد رجال مجهولين- ولحسن الحظ أطلق سراحه فيما بعد.

قد يتوقع المرء أن الدولة ستحمي مواطنيها من هذه التكتيكات، إن لم يكن من التسمم في المقام الأول، فنحن لم نخرق أي قوانين؛ على العكس من ذلك، كنا نتمسك بالدستور الكيني الذي يضمن حقوق المواطنين في بيئة آمنة وصحية. لكن ربما لا ينبغي لنا أن نفاجأ بسلوك الدولة، وفي عام 2015 صوتت حكومة كينيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب 13 آخرين، ضد قرار صادر عن الأمم المتحدة يدعو إلى حماية المدافعين عن حقوق الإنسان.

إن الطبيعة توفر ما يكفي لاحتياجات الجميع، لكن ليس لجشع الجميع، ومع ازدياد ندرة الموارد الطبيعية أصبحت الأراضي الخصبة الغنية بالمعدن في إفريقيا أكثر ربحا بالنسبة إلى المستثمرين الذين يسعون إلى تحقيق أكبر قدر من الأرباح، ولكن، وفي حين ينبغي للحكومات أن ترحب بفرص النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، يجب ألا تسمح للشركات بإلحاق الضرر بالبيئة وتهديد صحة السكان وسبل عيشهم.

وكما تُبين قصص مثل قصة بيرتا، وإيسيدرو، وقصتي شخصيا، لم يعد بإمكاننا الاعتماد على هيئات الدولة، مثل تطبيق القانون الوطني، وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد هذا الكوكب وحماية أولئك الذين يدافعون عنه، وهذا ما يبرر حاجة العالم إلى هيئة قانونية مستقلة معترف بها دوليا لكي تتمكن المجتمعات المحلية والناشطون من اللجوء إليها لمحاربة الجرائم البيئية.

وكان تعيين أول مقرر خاص للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان والبيئة في مارس 2012 خطوة إيجابية، لكننا بحاجة إلى نظام صارم، فمنذ عشرين عاما أنشئت المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وينبغي لمحكمة مماثلة أن تفعل الشيء نفسه فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة ضد البيئة والمدافعين عنها.

ويعد إسكات الأصوات التي تناضل لدعم القوانين والأنظمة البيئية بمثابة هزيمة ذاتية، فالناس والكوكب يموتون، وإن الذين يكافحون من أجل منع تلك الوفيات يستحقون الحماية، لا أن يصبحوا ضحايا آخرين.

* فيليس أوميدو

* ناشطة بيئية كينية والفائزة بجائزة غولدمان البيئية لعام 2015، وزميلة أصوات أسبن الجديد لعام 2017.

«بروجيكت سنديكيت، 2017» بالاتفاق مع «الجريدة»

مع ازدياد ندرة الموارد الطبيعية أصبحت الأراضي الخصبة الغنية بالمعدن في إفريقيا أكثر ربحا بالنسبة إلى المستثمرين
back to top