العصور الوسطى... صورة معادية للإسلام

الإسلام هو الدين الذي نزل على محمد بن عبدالله في بداية القرن السابع في شبه الجزيرة العربية، ثم انتشر بعد ذلك في القرنين السابع والثامن ليشمل العديد من الدول الأوروبية، ويمثل عام 1453م نقطة تحول في تاريخ الحضارة الغربية، ففي ذلك العام سقطت الإمبراطورية البيزنطية، التي كانت تمثل المركز الذي تقوم عليه المسيحية، بأيدي الأتراك المسلمين، وبالنسبة للدول الأوروبية لم ينظر إلى استيلاء الأتراك على الإمبراطورية البيزنطية على أنه توسع سياسي محدود من قبل جنس غريب فحسب، بل كان ينظر اليه على أنه تهديد لوجود المسيحية ذاته، لذا ملأ الحدث أوروبا اللاتينية بالرعب، ووصف الإمبراطور فريدريك Frederick الغزو التركي بأنه طامة كبرى.

Ad

أدى الفتح العثماني إلى إخضاع جزء من أوروبا واليونان والبلقان وألبانيا للحكم الإسلامي، وعلى الرغم من أنه لا يوجد شيء في التعاليم الأساسية للإسلام يدعو إلى غزو الأمم الأخرى، فإن الإسلام منذ ذلك الحين يوصم بأنه «عقيدة متشددة وصارمة وتوسعية بعنف».

وقبل وقت طويل من سقوط الإمبراطورية البيزنطية، بلغ الصدام الكبير بين المسيحية والإسلام ذروته خلال الحروب الصليبية، فكان الصليبيون، مثل المسلمين الأوائل، مدفوعين بالحماس الديني وبالطموح السياسي، ولذلك احتل الصليبيون الأرض المقدسة في الفترة بين 1099 إلى 1187، ومكثوا فيها إلى أن هزمهم صلاح الدين في معركة حطين.

كانت الفترة الأولى من الاتصال بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي في أثناء غزو إسبانيا وصقلية وجنوب فرنسا في القرنين الثامن والتاسع 711-718، ففي أوروبا الغربية، خضعت منطقة جغرافية مهمة على مدى قرون للحكم الإسلامي، واكتسبت أكبر قدر من ثقافة المسلمين، ويعتبر هذا العصر الأهم في تاريخ العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي بفعل تأثيره الثقافي الهائل على أجزاء أخرى من أوروبا، فقد سافر العلماء الإنكليز والفرنسيون والألمان الى إسبانيا وعادوا الى بلدانهم بقدر هائل من المعرفة في الجوانب العلمية والفلسفية التي ساعدت ترجمتها في بدء النهضة الأوروبية في القرن الثاني عشر، فقد اشتهرت أسماء عظيمة مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي في أوروبا في ذلك الوقت.

اعترف العديد من العلماء الأوروبيين بفضل المشرق الإسلامي على الغرب الأوروبي، حيث بدأوا يدركون إسهام المسلمين في النهضة الأوروبية، وكان أحد هؤلاء العلماء، ألفريد غيلوم Alfred Guillanume، الذي يرفض في مقالته بعنوان «الفلسفة واللاهوت»، الرأي الذي ساد عن العرب بأنهم مجرد برابرة، ويعزو سبب النهضة الأوروبية جزئيا الى الحضارة العربية الإسلامية حين يقول: «لو كان العرب برابرة همجيون مثل المغول، الذين قضوا على مسار العلم لدرجة أنه لم يتعاف أبدا، وربما لن يتعافى أبدا، بما خلفوه من ضياع للمكتبات والتقاليد الأدبية، لكان من الممكن أن يتأخر عصر النهضة في أوروبا أكثر من قرن من الزمان، فقبل ظهور عصر الطباعة، من المؤكد أن حياة العلماء كانت زاخرة بالتقليد وخيبة الأمل، فعندما تأسست الجامعات الإسلامية في الشرق والغرب، وبعد ذلك أيضا، انطلق العديد من الطلبة بشكل طبیعي في رحلة الألف ميل أو أكثر يبحثون عن معلم يتلقون على يديه العلم، فقد كانت معظم رحلات الشباب الطويلة تنطلق من إسبانيا الى مكة المكرمة أو من المغرب الى بغداد، وقد تركوا منازلهم مفلسين تقريبا ليتتلمذوا على يدي عالم يختارونه».

وعلى الرغم من أن غيلوم يعتقد أن الحضارة الإسلامية أسهمت إيجابيا في المعرفة الإنسانية العامة، فإنه، كمعظم العلماء الغربيين، يعتقد أن هذه المعرفة لم تكن ذات أهمية كبيرة، نظرا لأنه يعتقد أن الفلسفة اليونانية كانت المحرك الأساسي للنهضة الأوروبية.

ويؤكد سيد حسين نصر في مقالته «الفلسفة» أنه جرى تقديم الفلسفة الإسلامية في كثير من الأحيان على أنها فلسفة يونانية بلباس عربي، دون أي شيء ذي قيمة بحد ذاته، فكل ما في الفلسفة الإسلامية موجود أصلا في المصادر اليونانية نفسها، ويعتقد نصر أيضا أن العلماء الغربيين كانوا ينظرون دائما الى الفلسفة الإسلامية على أنها مرحلة انتقالية بين الفلسفة الكلاسيكية والبقايا المتأخرة من الفكر اليوناني، وقد اهتمت قلة قليلة من العلماء بدراستها من حيث علاقتها ببقية الفكر الإسلامي، ولكن ظهرت منذ القرن التاسع عشر مدرسة من المستشرقين كان همها الأساسي دراسة الفلسفة الإسلامية نصا ولغة دون تدخل التحيز اللاهوتي، فيرى ايرنست بيكر Ernest Baker، على سبيل المثال، في تاريخ الأمم صراعا ناشئا عن نزاعات اقتصادية ودينية وسياسية وعرقية، لذلك يرى أن أحد أعظم الصراعات هو الصراع بين الكنيسة والحضارة وأتباع المسيحية الغربية والدين والحضارة وأتباع الإسلام، ومنذ الوقت الذي اتحدت فيه جيوش أوروبا للحد من توسع «البرابرة» (كما كان يطلق على المسلمين عادة في الأدب الغربي) وحتى القرن الثامن عشر، قدم الأدب الأوروبي موققا نمطيا تجاه الإسلام والعالم الإسلامي.

يوضح الاستعراض السريع للأدب الانكليزي في العصور الوسطى أن هذا الموقف السلبي استمر حتى القرن الثامن عشر، وسيكون التغير الذي بدأ يظهر بعد ذلك محور الفصل الثاني من هذه الأطروحة.

وخلال العصور الوسطى، وجدت أوروبا نفسها مضطرة للتعامل مع التحدي الذي يمثله الشرق الجديد بالنسبة للغرب، فقد حاول عدد قليل جدا من الكتاب الغربيين خلال تلك الفترة فهم العديد من السمات المشتركة للإسلام والمسيحية، إلا أن وجهات النظر المشتركة كانت ستظهر بوضوح لو نظر كتاب العصور الوسطى الى الإسلام دون تحيز ولم يفترضوا مسبقا أن الإسلام نوع من الهرطقة، فكان ينظر الى استخدام العنف ضد الإسلام على أنه مسألة عادلة، واعتبرت الكنيسة الكاثوليكية أن من واجبها الأساسي محاربة الهرطقة والزندقة، وبدأت الحروب الصليبية بالروح نفسها، فاستولى «الوثنيون» على الأرض المقدسة؛ ورفع في جميع أنحاء أوروبا اللاتينية، شعار تم توضيحه في احدى أشهر القصائد الغنائية في ذلك الوقت، التي حملت عنوان «أفعال الرومان» (Gesta Romanorum)، التي كانت تحض على قتال المسلمين.

لقد كانت تلك إشارة بأن الوثنيين سيقاتلون في سبيل الله وأن المسيحيين سيذهبون الى الجنة، ويجدر هنا أن نتذكر في هذه المرحلة قصيدة «اعترافات عاشق»، حيث يتساءل هذا العاشق أمام القسيس عما يقوله الإنجيل بشأن الفكرة العامة بشأن واجب المسيحيين تجاه «ذبح المسلمين»، حسبما يرد في قصائد «أفعال الرومان»:

أستحلفك بالله أن تجيب عن سؤالي إيجابا أم نفيا

بشأن عبور البحر العظيم

لمحاربة المسلمين وذبحهم

هل ذلك هو الحب؟

ويجيب العاشق الذي يقر بحبه:

يا بني

ما سمعته هو أن تدعو وتعاني من أجل الدين

أما عن الذبح، فذلك هو ما لم أسمع عنه.

يتبع،،،

د. سناء الحمود